رأي

البشير دهب يكتب: إلى القيادة السودانية.. المعركة القادمة في الميدان الدبلوماسي

عندما توشك أن تصمت المدافع، تبدأ معركة أخطر وأطول، معركة لا تُحسم بالرصاص بل بالعقول والدهاء السياسي. السودان اليوم يقف على عتبة تحول تاريخي، فبعد أن كادت المعركة العسكرية أن تضع أوزارها، تتجه الأنظار إلى المعركة الدبلوماسية التي ستحدد مصير البلاد لعقود قادمة. ليست المعركة هنا مجرد لقاءات دبلوماسية أو اتفاقيات تُوقع في العلن وتُخرق في الخفاء، بل هي معركة وجود، معركة استعادة السودان لمكانته وسيادته بعد أن ظل لسنوات ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.

تحرير الخرطوم ومدن السودان الكبرى لم يكن مجرد استعادة للأرض، بل كان استعادة للكرامة الوطنية في وجه مليشيا لم تكن لتتمدد لولا غطاء خارجي، سياسيًا وعسكريًا. الحرب التي خاضتها القوات المسلحة لم تكن ضد عصابة محلية فقط، بل ضد مشروع إقليمي ودولي حاول فرض نفسه بالقوة على السودان. ومع اندحار هذا المشروع عسكريًا، لن تتوقف المحاولات لإعادة تدويره سياسيًا. وهنا يكمن الخطر الأكبر.

لا مجال للانتظار. يجب أن يتحرك السودان الآن قبل أن تتحول انتصاراته إلى مجرد لحظة عابرة في كتب التاريخ. لا بد من تحرك دبلوماسي عاجل يعيد السودان إلى الساحة الدولية كدولة صاحبة قرار، لا كطرف تابع ينتظر الإملاءات من القوى الكبرى. السياسة اليوم لا تعترف بالضعفاء، ومن لم يكن جزءًا من تحالفات كبرى يصبح مجرد ورقة تُستخدم في لعبة الأمم ثم تُرمى جانبًا.

لا بد من استعادة العلاقات مع القوى الكبرى وفق رؤية واضحة تحفظ للسودان استقلاله دون أن يتحول إلى تابع لهذه الدولة أو تلك. يجب بناء تحالفات ذكية تحقق التوازن المطلوب في عالم لا يرحم الدول التي تقف وحدها . التحرك يجب أن يكون سريعًا، لأن هناك من يسابق الزمن لإعادة خلط الأوراق، وهناك من يسعى لفرض شروطه على السودان بحجة تحقيق السلام أو إنهاء الأزمة الإنسانية. إذا لم يتحرك السودان ليكون صاحب المبادرة، فسيجد نفسه في موقع المتلقي لإملاءات قد تعيد إنتاج الفوضى التي خرج منها لتوّه.

المعركة القادمة في القاعات المغلقة، في أروقة الأمم المتحدة، في موسكو وفي عواصم القرار العالمي. ومن لا يملك صوته في تلك المعارك، سيجد نفسه يتحدث بلسان غيره. على السودان أن يحسم أمره الآن، فالتاريخ لا يمنح الفرص مرتين، ومن يتردد في لحظة حاسمة كهذه، سيدفع الثمن غاليًا.

albashirdahab@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى