البشير دهب يكتب: السودان بين الفتنة المخابراتية والحرب الإلكترونية

في العصر الحديث، أصبحت السوشيال ميديا ساحة حرب جديدة، ليس فقط للتواصل، بل أيضًا أداة قوية تستخدمها أجهزة الاستخبارات لزرع الفتنة داخل المجتمعات. أصبح من الواضح أن أدوات التجسس لم تعد تقتصر على العمليات التقليدية، بل انتقلت إلى عالم افتراضي حيث يتم جمع وتحليل المعلومات عن طريق حسابات وهمية ومنشورات مدروسة تهدف لزعزعة الاستقرار، وهو ما أصبح يتجسد بوضوح في السودان في ظل الظروف الراهنة.
السوشيال ميديا لم تعد مجرد منصة للتعبير عن الآراء أو تبادل الأخبار؛ أصبحت مصدرًا أساسيًا لجمع البيانات واختراق الوعي العام. أجهزة الاستخبارات العالمية، من خلال الحسابات المزيفة والأنشطة الإلكترونية المنسقة، باتت تزرع بذور الانقسام بين مكونات الشعب السوداني. لا تقتصر هذه العمليات على نشر أخبار مغلوطة أو إثارة الفتن فحسب، بل تتعداها إلى رسم خرائط للعلاقات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع السوداني، ومحاولة استغلال الجهوية والانقسامات الداخلية لتحقيق مصالح خارجية.
إن ما نراه اليوم من تصاعد للانقسامات بين المناطق السودانية ليس وليد الصدفة. الحسابات المجهولة التي تروج لخطابات الكراهية بين الشمال والجنوب، الشرق والغرب، هي جزء من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تقويض الوحدة الوطنية. تلك الحسابات لا تروج لفكرة معينة فحسب، بل تبني سردية مفبركة، تعزز الجهوية وتغذي الاستقطاب المجتمعي بما يخدم أهدافًا قد تكون بعيدة كل البعد عن مصالح السودان.
لكن التحدي الأكبر يكمن في أن هذه الحملات لا تقتصر على نشر الفتنة فحسب، بل تسعى أيضًا إلى التأثير على الرأي العام السوداني. من خلال مراقبة سلوك الأفراد على السوشيال ميديا، تحاول هذه الجهات فهم اهتمامات الناس وميولهم، ومن ثم توجيههم إلى تبني آراء ومواقف معينة قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام. في الوقت نفسه، يتم استغلال بعض الشخصيات العامة لترويج رسائل موجهة، أو حتى لتحفيز الحركات الاحتجاجية في توقيتات حساسة، مما يعمق الأزمة ويسهم في تآكل الثقة بين مختلف فئات الشعب السوداني.
تسعى هذه القوى المخابراتية إلى استغلال الفوضى الداخلية والتشرذم الاجتماعي، عبر موجهات خفية تساهم في خلق بيئة متوترة، قابلة للاختراق بسهولة. ولكن ما يجب أن نعلمه جميعًا هو أن هذه العمليات ليست مجرد محاولات لزعزعة استقرارنا، بل هي جزء من محاولة أكبر لتوجيه مسار المستقبل السوداني وفق مصالح أطراف خارجية.
إن مواجهة هذا التحدي يتطلب وعيًا جماعيًا واستجابة منسقة. علينا أن نكون على دراية تامة بأن كل منشور، كل تفاعل، وكل تعليق يمكن أن يكون له تأثير أكبر مما نتصور. نحن بحاجة إلى أن نكون يقظين في كيفية التعامل مع المعلومات التي نتلقاها على السوشيال ميديا، وأن نتأكد من أننا لا نكون أدوات في أيدي من يسعى لتدمير نسيجنا الوطني. الوحدة الوطنية ليست خيارًا، بل هي أساس بقائنا، وأي محاولة لتفتيتها ستكون لها تبعات خطيرة على مستقبلنا.
من المهم أن نتذكر أن الحرب على الوحدة الوطنية لا تجري في ساحة المعركة فقط، بل تجري أيضًا في فضاء افتراضي يتحكم فيه من لا يريدون لنا الاستقرار. علينا أن نكون حذرين، وأن نرفض أن نكون مجرد أدوات في مخططات أجنبية تسعى لتقسيم وطننا.
albashirdahab@gmail.com








