رأي

موسى داؤد يكتب : في إعتدال الرؤية واتساق القيادة: قراءة تحليلية لبيان الحركة الشعبية شمال

الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي

في زمنٍ سودانيٍّ تتنازعُه الفوضى وتثقلُه انكسارات الحرب، يجيء البيان الختامي لاجتماع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، كوثيقةٍ لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى تهذيبه وإعادة تشكيل معناه. لم يكن اجتماع بورتسودان مجرّد انعقادٍ تنظيمي، بل بدا كأنّه وقفةُ تأمّلٍ عميق في مصير وطنٍ يتأرجح بين شتات الممكن ووعد الخلاص.
ينبثق البيان من لغةٍ متزنة، لا تغريها المزايدات ولا تستسلم لانفعالات اللحظة؛ لغةٌ تعي أن السياسة، في لحظات التصدّع الكبرى، لا تُبنى بالصخب بل بالحكمة. ففي دعوته الصريحة إلى فصل الإنساني عن رهانات الصراع، يتجلّى وعيٌ أخلاقي رفيع يحرّر معاناة المدنيين من ابتزاز السياسة، ويعيد للإنسان مكانته بوصفه الغاية لا الوسيلة. ذلك ليس تفصيلاً عابراً، بل تأسيسٌ لمشروعيةٍ أخلاقية تُعلي من قيمة الحياة في وجه العبث.
ويمتد هذا الاعتدال ليصوغ رؤيةً إستراتيجية تتجاوز ثنائية الغلبة والهزيمة، نحو أفقٍ أرحب قوامه الحوار الشامل والتسوية التاريخية. هنا تتبدّى الحركة، لا كفاعلٍ يحتشد في خندق، بل كعقلٍ سياسي يسعى إلى تفكيك الخنادق ذاتها. إنها دعوةٌ لإعادة بناء المجال السياسي على قاعدة الشمول، حيث لا يُقصى صوتٌ ولا تُغلق أبواب الممكن.
وفي عمق البيان، تتكشّف ملامح مشروع دولة، لا مشروع سلطة. فالتشديد على وحدة السودان، وعلى بناء جيشٍ وطنيٍّ مهنيٍّ واحد، ليس خطاباً إنشائياً، بل إدراكٌ دقيق بأن الدولة لا تقوم إلا حين تحتكر مشروعيتها، ويُصان نسيجها من التمزّق. بذلك تضع الحركة يدها على جوهر الأزمة، وتقدّم نفسها كحاملٍ لرؤيةٍ تتجاوز أعراض الصراع إلى علله البنيوية.
أما في ما يتصل بقوى الثورة، فإن البيان يختار لغةً تُرمّم ولا تُدين، تُداوي ولا تُفاقم. يعترف بالانكسار دون أن يؤبّده، ويدعو إلى وحدةٍ تُبنى على برنامجٍ لا على شعارات. وفي هذه الروح، تتجلّى شاعرية السياسة: حيث يتحوّل الأمل من مجرّد احتمال إلى مشروعٍ قابلٍ للتشكّل.
ولا تخلو الوثيقة من حسٍّ براغماتيٍّ رصين في إدارة العلاقة مع الخارج؛ إذ تنفتح على الفاعلين الإقليميين والدوليين، لا من موقع التبعية، بل من موقع الشراكة التي تُحسن قراءة موازين القوة وتوظيفها لخدمة السلام.
في هذا السياق، يبرز انسجام القيادة كأحد أهم عناصر القوة الكامنة في هذا المشهد. حضور رئيس الحركة القائد مالك عقار إير، متكئاً على خبرةٍ سياسيةٍ متراكمة، يمنح الرؤية ثباتها وعمقها، فيما جاءت تلاوة البيان بصوت أمينها العام الأستاذة سلوى آدم بنية، تعبيراً عن عقلٍ تنظيميٍّ متماسك، يجمع بين صرامة الفكرة ورهافة التعبير. لقد بدا المشهد القيادي، في لحظة إعلانه، كأنه نصٌّ واحدٌ تُتلى فصوله بأصواتٍ متعددة، لكنها منسجمة الإيقاع، متّحدة الوجهة.
هكذا يغدو البيان الختامي أكثر من مجرّد مقررات؛ إنّه نصٌّ سياسيٌّ مكتوبٌ بمداد الاعتدال، وممهورٌ بخبرة قيادةٍ تدرك أن الخروج من العتمة لا يكون بحدّة الضوء، بل بتدرّجه. وفي هذا التدرّج، تتجلّى الحكمة… وفي الحكمة، يبدأ الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى