بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :كارثة انتشار الجثث في السودان.. درس من رواندا

في الحروب، تُقاس الخسائر البشرية بأعداد القتلى والجرحى، لكن المأساة الحقيقية لا تبدأ إلا حين تتحول جثث الضحايا إلى عبء، وتُترك في العراء تنهشها أنياب السباع وخطاطيف الجوارح، كما كان يحدث في الحروب القديمة، حين لم يكن للمهزومين من يدفنهم أو يبكيهم.
وفي التراث الشعبي السوداني، لا تزال تُروى أغاني الحماسة التي تفخر بترك جثث الأعداء للصقور والسباع، دلالة على النصر الساحق وغياب الرحمة في صورة قاسية تعبّر عن منطق القوة في زمن كانت فيه الجثث تُمثّل غنيمة للطير والوحش. أما اليوم، وبعد قرون من التحضر، فإن هذا المشهد لا يصلح ان يكون مشهد بطولة، بل فجيعة أخلاقية وإنسانية وصحية ومؤشر على انحدار المجتمع الذي يظهر فيه إلى ما دون مستوى الدولة والمجتمع.
وفي السودان، حيث ظلت رحي الحرب تسحق الاخضر واليابس منذ أبريل 2023، لم تعد المشكلة فقط في عدد القتلى والجرحى، بل فيما خلفته من مئات بل آلاف الجثث التي تُركت على قارعة الطرقات، وفي المستشفيات، وتحت الركام، أو في ساحات القتال المهجورة، دون دفن. وتكاد ان تصبح هذه الجثث عنوانًا صارخًا لفشل الدولة، وتقاعس المجتمع وانهيار النظام الصحي فضلا عن غياب الضمير الدولي.
وحسب شهادات موثقة بالصور يتم بثها كل يوم من السودان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن العديد من أحياء الخرطوم الكبرى ومن قبلها مدن الجنينة، نيالا، ود مدني، شهدت تراكماً مخيفاً للجثث في الشوارع، دون أن يتمكن أحد من دفنها وذلك بسبب القتال الذي ما زال يدور في غرب السودان وفي بعض الجيوب في ولاية الخرطوم. ويعود تعذر دفن تلك الجثث لعدم وجود الإمكانيات البشرية والفنية اللازمة لذلك كما يتضح من تقارير واخبار. وقد وثقت منظمات محلية وجود جثث في المستشفيات المهجورة، بعضها ظل متحللاً لفترات طويلة داخل حاويات البضايع وفي المستودعات فضلا عن اكتشاف العشرات من جثث المختطفين الذين قضوا نحبهم بسبب الجوع والتعذيب في سجون المليشيا في سجن سوبا وغيره من المواقع التي تم اتخاذها مراكز اعتقال ، مما أدى إلى انتشار الروائح والأوبئة، وخلّف حالة رعب نفسي وسخط اجتماعي لمن لم ينزح من سكان المدن التي وقعت تحت احتلال المليشيا.
و كما هو مثبت علميا، فان ترْك الجثث دون دفن أو معالجة صحية، لا يمثل فقط أزمة أخلاقية أو دينية، بل كارثة صحية بيئية مكتملة الأركان علاوة ما يسببه ذلك من مخاطر أهمهما انتشار الأمراض الخطيرة مثل الكوليرا، الزحار، التسمم، التيفوئيد، والتي يمكن أن تنجم عن تحلل الجثث واختلاطها بالمياه الجوفية.
ويقول المختصون ان الجثث المتحللة تتسبب كذلك في تلوث مصادر مياه الشرب في المناطق التي يعتمد فيه الناس علي استخدام الآبار السطحية، مما يجعلها عرضة لتسرب سوائل الجثث الي المياه. ومما يفاقم من المخاطر الصحية علي الانسان من تلقاء تلك الجثث الحيوانات والطيور التي تتحول الي ناقلة للعدوى مثل الكلاب والغربان التي تنبش الجثث وتنقلها، مما يؤدي إلى تفشي الأمراض المعدية.
وعلاوة علي ذلك فان الخبراء يؤكدون ان هنالك آثارا نفسية بالغة الخطورة تقع علي الناس من مشاهد الجثث المتناثرة في الشوارع اد تُحدث هذه المشاهد صدمة نفسية بالغة الأثر خاصة للأطفال، وتؤدي إلى حالات هلع واكتئاب واسع النطاق.
واعتبارا بتجارب الدول التي مرت بمثل الكارثة التي بين يدينا دعنا نسترجع ما حدث في رواندا في 1994. فقد كانت تلك الدولة ساحة لمجازر لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلًا. حيث قُتل أكثر من 800,000 شخص خلال 100 يوم فقط، وتحوّلت الشوارع والساحات في المدن والقرى إلى مقابر مفتوحة.
لكن بعد المجزرة، تحركت رواندا بسرعة مذهلة نحو المعالجة والتعافي وكان اول ما قامت به إطلاق حملة قومية للتعبئة الشعبية حيث أصدرت الحكومة نداءً وطنيًا لمشاركة كافة المواطنين في دفن الضحايا، بمشاركة المنظمات، مع احترام الطقوس الدينية وتوثيق الهويات متي ما كان ذلك ممكناً. ومتزامناً مع تلك الحملة تمت معالجة الجثث بمهنية حيث أنشئت فرق مختصة لذلك، وتم توفير معدات السلامة والتبريد و إنشاء مقابر منظمة، وليس مجرد دفن الموتي في مقابر عشوائية.
وارجو ان يكون هذا المقال بمثابة دعوة عاجلة ، ليس فقط من اجل كرامة الأموات وانما بالمقام الاول للحفاظ علي صحة الاحياء. فالمجتمع السوداني بحاجة لتحرك وطني وإنساني، وعلى ثلاث جبهات أساسية.
اولها مسؤولية الدولة والمؤسسات الانتقالية بإعلان حالة طوارئ صحية في المناطق التي توجد بها جثث وإنشاء فرق “الاستجابة السريعة لتطهير الأرض” تضم الطب الشرعي والصحة والدفاع المدني. كما يجب العمل علي توثيق كل جثة تُدفن، عبر الصور أو الـDNA، وعدم دفن أي جثة دون تسجيل إذا كان ذلك بالإمكان رغم ما يكتنف ذلك من صعوبات تقنية وشح في الإمكانيات.
اما المستوي الثاني من المسؤولية فيقع علي عاتق المنظمات الدولية اذ يجب عليها إرسال فرق طوارئ مختصة بإدارة الجثث وتوفير معدات الحماية والدفن والتبريد والنقل. ويجب ان ننظر الي دور هذه المنظمات ليس كفضل وانما واجب بحكم عضويتنا فيها خاصمة منظمة الصحة العالمية التي تقع عليها مسولية حماية كل الاعضاء من الأخطار الصحية.
اما المستوي الثالث من المسؤولية فيقع علي كاهل المجتمع المدني السوداني والمجتمعات المحلية، حيث ينبغي تشكيل “لجان دفن شعبية” تراعي الجوانب الشرعية والأخلاقية وإطلاق حملات توعية في وسائل الإعلام حول مخاطر ترك الجثث في العراء. ولا بد من التنسيق مع السلطات المحلية والجهات ذات الصلة بالتخطيط العمراني لتحديد مواقع مناسبة خارج المدن لإنشاء المقابر الجماعية وإعداد الخرائط التوثيقية الخاصة بها.
ان ما يجري اليوم في السودان هو جرح في الوجدان الوطني، لن يُشفى فقط بوقف الحرب او الوصول الي تفاهمات سياسية أو اعادة الإعمار ، بل يجب ايضا اعادة الكرامة إلى الإنسان السوداني حيًا وميتًا. وهذه الجثث ليست فقط عبئًا، بل شاهد حي على فظائع الحرب. وأي محاولات لاعادة الناس الي بيوتهم ومدنهم وقراهم ستكون عملية محفوفة بمخاطر صحية وبيئية لا يتوقف اثرها علي السودان بل ربما تنداح مخاطرها لتشمل دولاً مجاورةً او حتي أبعد من دول الجوار.
فهل نتحرك قبل أن تقع الفأس في رؤوسٍ أخرى كثيرةٍ؟








