رأي

الصديق عثمان الصديق يكتب :”الخرطوم بين التوقعات الدولية والواقع الميداني: كيف قلب الجيش السوداني المعادلة؟”

الصديق عثمان الصديق يكتب :”الخرطوم بين التوقعات الدولية والواقع الميداني: كيف قلب الجيش السوداني المعادلة؟”

 

 

لا تزال أجهزة الاستخبارات العالمية والإقليمية منشغلة بتحليل مشهد لم يكن في الحسبان: كيف نجحت القوات المسلحة السودانية، مدعومةً بإرادة شعبية صلبة، في دحر مليشيا التمرد المسلّح واستعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم، في معارك بدت للكثيرين – قبل شهور فقط – مستحيلة الحسم لصالح الدولة؟

 

ما جرى في منطقة “صالحة” جنوب امدرمان، والتي مثّلت ختام سلسلة عمليات التحرير، ليس مجرد انتصار عسكري، بل تحول استراتيجي يكسر كثيراً من المسلمات التي كانت تُروّج منذ اندلاع الحرب. فمليشيا الدعم السريع، التي تلقّت دعماً سياسياً واستخبارياً وإعلامياً دولياً غير مسبوق، كانت توصف بأنها ستسيطر على البلاد خلال 72 ساعة – حسب تقديرات وثقتها مصادر دبلوماسية مطلعة – وهو التقدير الذي اعتمدته عواصم عربية وغربية في تعاملها المبكر مع الأزمة السودانية.

 

في الوقت الذي بدأت فيه مركبات المليشيا بالانتشار في قلب الخرطوم، كانت السفارات تُخلي مواقعها، وسط تغطية إعلامية عالمية تركز على مشاهد الهروب وتُغفل تماماً التوازنات الفعلية على الأرض. بدا المشهد وكأن السودان يتجه نحو انهيار شامل، فيما الحقيقة كانت أكثر تعقيداً، والأرضية أكثر صلابة مما تصوّر كثيرون.

 

اليوم، وقد استعادت القوات المسلحة السودانية زمام المبادرة وأعادت بسط سيطرتها على الخرطوم، فإن دوائر القرار الدولي تعكف على مراجعة تقديراتها، لا لفهم ما حدث فقط، بل لكيفية التعامل مع عقلية عسكرية سودانية أثبتت فاعليتها في ظرف بالغ التعقيد. ثمة إعادة نظر جارية حالياً حول “الظاهرة السودانية”، كما يسميها بعض المحللين، لأنها ببساطة تمثل نموذجاً جديداً في إدارة الصراع داخل بيئة محلية وخارجية غير مواتية.

 

السؤال الذي يتردد في أروقة المخابرات الكبرى ليس فقط: “لماذا فشلت توقعاتنا؟” بل الأهم: “كيف انتصر الجيش السوداني؟”

 

التحليل السريع قد لا يكفي لفهم ما جرى. فالانتصار الذي تحقق لم يكن فقط نتاج تفوق ناري أو خطة عسكرية محكمة، بل أيضاً نتيجة حاضنة مجتمعية رفضت مشروع تفكيك الدولة، واحتضنت جيشها رغم معاناة الحرب. هذه الروح الجماعية، المدعومة بوعي وطني عميق، كانت هي الحصن الأول والأخير.

ما جرى في السودان خلال الأشهر الماضية يستحق أن يُقرأ لا فقط كحدث داخلي، بل كعلامة فارقة في علاقة دول الجنوب بمراكز التأثير الدولي، وفي قدرة الشعوب على تصحيح مسارات فُرضت عليها من الخارج.

 

الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى