بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :التكنولوجيا كسلاح لمكافحة الفساد: مقترحات لحكومة السودان في بناء إدارة نزيهة وشفافة

في ظل تزايد المطالبة بحكومة مدنية في السودان، من المهم أن ندرك أن شكل الحكومة ليس كافياً لتحقيق تطلعات الناس، فالمعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة هو نزاهتها، وشفافيتها، وقدرتها على خدمة المواطن بفعالية وعدالة. فالمدنية بلا شفافية قد تتحول إلى غطاء جديد للفساد، أما الحكومة التي تحارب الفساد وتوفر الخدمات بكفاءة فهي التي تضمن الكرامة والعدالة للمواطنين، أياً كان تصنيفها.
ولقد أصبحت التكنولوجيا أداة أساسية في محاربة الفساد في العديد من دول العالم، بما فيها بعض الدول الإفريقية التي واجهت تحديات مشابهة. ففي كينيا، اعتمدت الشرطة نظام الكاميرات الجسدية التي تُلبس على صدور الضباط أثناء أداء عملهم. هذا النظام ساعد في تقليل الرشوة وسوء المعاملة، كما أدى إلى تراجع حاد في الشكاوى الموجهة ضد رجال الشرطة. وفي رواندا، تم تفعيل أنظمة الدفع الإلكتروني حتى في أصغر الخدمات الحكومية، مما قلص فرص الفساد اليومي المرتبط بالتعاملات النقدية.
وفي السياق السوداني، يمكن أن تمثل الحكومة الإلكترونية المدخل الأساسي لبناء منظومة شفافة. إذا تمكن المواطن من استخراج شهاداته الرسمية، أو تجديد أوراقه، أو دفع رسومه عبر بوابة إلكترونية موحدة، فإنه يُعفى من الوقوف في الطوابير، أو التعرض للابتزاز، أو الاعتماد على الوساطة. تجربة إستونيا، وهي دولة صغيرة خرجت من عباءة الفساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تُعد مثالاً ملهمًا. اعتمدت إستونيا بالكامل على الحكومة الرقمية، فأصبح كل مواطن لديه هوية إلكترونية تُستخدم لإنجاز معظم معاملاته اليومية، من التصويت إلى دفع الضرائب.
ففي السودان، يمكن تصميم بوابة إلكترونية موحدة للخدمات الحكومية، مرتبطة بسجل مدني رقمي دقيق، تسمح للمواطن بتتبع معاملته من بدايتها وحتى إنجازها، ومعرفة الجهة المسؤولة في كل مرحلة. هذا النوع من الشفافية لا يحد من الفساد فقط، بل يمنح المواطن شعوراً بالثقة في الدولة.
وهناك جانب آخر مهم هو الدفع الإلكتروني. التجربة النيجيرية توضح أن حظر الدفع النقدي في بعض التعاملات الحكومية قلّص من نسبة الفساد الإداري. في السودان، يمكن تعميم استخدام تطبيقات محلية مثل “بنكك” أو “محفظتي” في دفع الجبايات، والغرامات، والرسوم. وعبر هذه التطبيقات يمكن إصدار إيصالات فورية، وربطها بحسابات الدولة، مما يجعل تتبع الأموال أكثر دقة ويمنع التلاعب.
اما في المكاتب الحكومية، فيمكن تركيب كاميرات مراقبة في صالات الجمهور، وهو إجراء معمول به في دول مثل جنوب أفريقيا، حيث ساعدت الكاميرات في تحسين السلوك المهني للموظفين وتقليل حوادث الابتزاز. أما في الأعمال الميدانية مثل الجباية أو التفتيش، فإن الكاميرات الجسدية المحمولة على صدور الموظفين تُعد أداة رادعة، تحفظ الحقوق من الجانبين وتقلل النزاعات. في تونس، تم تجريب هذه الكاميرات في وحدات المرور، وساهمت في خفض حوادث الرشوة ووفرت أدلة توثيقية دقيقة عند التحقيق.
ويمكن أيضاً تطوير تطبيقات ذكية تسمح للمواطنين بالإبلاغ عن أي حالات فساد أو سلوك غير مهني، مع ضمان الخصوصية والحماية القانونية. ففي أوغندا، أُطلق تطبيق حكومي يُمكّن المواطنين من تقييم الخدمات، وتقديم بلاغات حول التأخير أو الابتزاز. ونجح التطبيق في كشف شبكات فساد صغيرة كانت تعمل في الظل، مما يعزز دور المواطن كشريك في الرقابة.
ولتعزيز المتابعة والتكامل، يمكن ربط قواعد بيانات المؤسسات الحكومية ببعضها. وهذا الربط يسمح بالكشف السريع عن التناقضات، مثل تقديم شخص لمعلومات مختلفة في أكثر من جهة. وقد تبنّت غانا هذه الآلية عندما وحدت الرقم القومي مع أنظمة الضرائب، والجمارك، والتعليم، فقلصت بذلك من التهرب الضريبي والتزوير.
وإضافة إلى ذلك، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط السلوكية في المؤسسات الحكومية. فإذا أظهر النظام أن موظفاً معيناً ينجز معاملات أكثر من غيره بشكل غير منطقي، أو أن جهة ما تكرر فيها شكاوى الفساد، فإن النظام يوجّه التنبيه إلى الجهات الرقابية، ويبدأ التدقيق من حيث الاحتمال الأكبر للخلل.
إن ما ينقص السودان ليس الموارد ولا الخبرات، بل الإرادة السياسية والجرأة في تبني أدوات العصر. ولأن الفساد ليس ظاهرة عابرة، بل شبكة لها امتدادات في كل مفصل من مفاصل الدولة، فإن مواجهته يجب أن تكون شاملة، وذكية، ومدعومة من الناس.
إن الحكومة التي تضع النزاهة قبل الشعارات، وتفتح أبوابها للمساءلة، وتُسخِّر امكانياتها لخدمة المواطنين، هي الحكومة التي تبني شرعيتها الحقيقية في وجدان شعبها. وفي عالم يتغير بسرعة، فإن من لا يستخدم التكنولوجيا في الإصلاح، سيكون هو نفسه جزءاً من مشكلة لا تنتهي.








