رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :بين الأم وابنتها والمحتوى الغرامي: تربية أم تطبيع؟

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :بين الأم وابنتها والمحتوى الغرامي: تربية أم تطبيع؟

 

 

في مجتمعاتنا المحافظة، حيث تستند القيم الأسرية إلى الدين والحياء والتقاليد الأخلاقية، تكتسب العلاقة بين الأم وابنتها المراهقة أهمية خاصة، فهي علاقة تتجاوز الرعاية إلى التوجيه وتشكيل الشخصية. وفي هذا السياق، يثير القلق مشهد آخذ في التكرار بصمت، يتمثل في جلوس الأم وابنتها لمتابعة مسلسلات أو أفلام يغلب عليها الطابع الغرامي المكشوف، بل في بعض الحالات، تقترب هذه الأعمال من الإباحية في مضمونها وحوارها ومشاهدها.

 

المشكلة هنا لا تكمن فقط في طبيعة المحتوى، بل في أن مشاهدته تتم بحضور الأم، ما يرسل رسائل ضمنية بالقبول، وربما التشجيع غير المباشر. في لحظة كان يُفترض فيها أن تكون الأم حاجزًا واقيًا أمام تسلل القيم المستوردة والسلوكيات المثيرة، تتحول إلى رفيقة شاشة تسهّل التطبيع مع مشاهد لم تكن تمرّ حتى مرور الكرام في بيوت الأمهات قبل عقد واحد فقط.

 

خطورة هذا الفعل التربوي تكمن في ثلاثة أبعاد: الأول، أنه يزيح الحياء من العلاقة بين الأم وابنتها، ويجعل من الحميميات المكشوفة شيئًا عادياً أو حتى مستحباً. الثاني، أنه يخلق حالة من التشويش في عقل الفتاة حول طبيعة العلاقات الإنسانية وحدودها، ويغذي تصورًا خاطئًا بأن الحب مرتبط بالتمرد والخروج على القيم. أما البُعد الثالث فهو إضعاف سلطة التوجيه التربوي للأم، لأن من تشاهد مثل هذه المشاهد مع ابنتها، ستجد صعوبة في إقناعها لاحقًا بأن بعض السلوكيات خاطئة أو “عيب”.

 

في مجتمع يعاني أساسًا من ضغوط ثقافية وإعلامية وافدة، يصبح دور الأسرة حاسمًا في بناء حصانة داخلية لدى المراهقين والمراهقات. ولا بد من الاعتراف بأن ما لا نرفضه صراحة، نقبله ضمناً. لذلك فإن مسؤولية الأمهات – وربما الآباء أيضًا – تبدأ من الانتباه لما يُشاهد داخل البيوت، ومتى ومع من، فلا حياء في تربية، ولا تربية بلا وضوح حدود.

 

إن الفتاة التي تنشأ على مسلسلات الحب المفرط والمُثير، دون أن تسمع من أمها موقفًا ناقدًا أو تحفظًا أخلاقيًا، قد تظن أن هذا هو النموذج المقبول للحياة والعلاقات، وحينها لن تكون الأم أول من تُصغي إليه حين تنجرف في علاقة عاطفية خاطئة.

 

نحن لا نطالب الأمهات بأن يتحولن إلى رقيبات صارمات، بل إلى رفيقات ناصحات يعرفن متى يقلن “هذا لا يليق”، ومتى يُغلق التلفاز لصالح حديث تربوي هادئ وأمين. فالأم التي تغض الطرف اليوم عن مشاهد العاطفة الجريئة، قد تُجبر غدًا على مواجهة عاطفة حقيقية جارفة لم تكن مستعدة لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى