رأي

موسى داؤد يكتب : عبر جراح الوطن: التمويل بين الإنقاذ والمساءلة التاريخية

بين وهن الحرب وخراب الديار ينبثق مشروع تمويل السودان كوميضٍ هشٍ في سماء معتمة، ضوءه يتراقص على جراح شعب طالته الليالي وسكنت معاناته في صمته الطويل. تختلط الآمال بالشكوك وتتشابك الذكريات المؤلمة مع هواجس المستقبل الغامض، ويقف الشارع السوداني أمام سؤال وجودي: كيف لدولة ساهمت في إذكاء نار الحرب، وملأت الأرض دخانًا وفقدانًا وخرابًا، أن تعود اليوم لتقدّم الأموال وكأنها رسالة إنقاذ أو صلح؟
ويظل المال هنا أكثر من مجرد أوراق نقدية؛ بل هو رمز لاختبار الثقة والنية الصافية. فالولايات المتحدة الأمريكية دخلت المشهد بدفعة مالية جزئية يستقبلها الشعب بحذر، ولكنه يقابلها ببصيص قبول جزئي لأنها تحمل في سلوكها لمسات المسؤولية والدبلوماسية والجدية في الرغبة بإيقاف آلة الحرب.
أما الدولة التي قدمت غالبية التمويل فهي في وعي الجماهير السودانية صورة واضحة للعداء السابق، فقد دعمت مليشيات الدعم السريع وشاركت في تدمير الدولة وتشريد المدنيين، والخراب الذي استوطن المدن والقرى. وها هي اليوم تعود بأموال لتقدّم نفسها كفاعل خير. فهل يمكن أن يكون المال طاهرًا وهو يأتي من جهة سجلها مشبع بالشبهات والتورط في النزاع؟
ويظل السؤال المؤلم يطرق وجدان ملايين السودانيين: كيف يُصدق شعب فقد بيته وذاكرته أن يدًا قدّمت له المال بعد أن شككوا في أنها ساعدت آلة الحرب نفسها؟ أليس للمنحة ثمن في ذاكرة شعب عاش بين الحصار والفقر والخوف؟ وهل يمكن أن يتحوّل الدعم إلى فعل إنساني نقي بعيدًا عن النفوذ والمصالح وبدون أجندات خارجية تغذي الصراع؟
ويظل النقد الشعبي صادقًا لأنه يعكس وعيًا تاريخيًا راسخًا يرفض أن يتحوّل المال إلى وسيلة لتبييض الذكريات المؤلمة. ويصبح المشروع اليوم اختبارًا استراتيجيًا وسياسيًا عميقًا، لا مجرد حدث إنساني، بل مرآة للقدرة على الجمع بين الكرم والشفافية والعدالة السياسية. ويقيس استعداد الشعب السوداني لتقبل يد العطاء حين تكون صادقة وشفافة بلا ابتزاز أو استغلال.
ويظل السؤال النهائي يحدق في الأفق: هل يمكن تحويل هذا التمويل من مجرد إطفاء لنارٍ متقدة إلى حجر أساس لإعادة بناء وطن مهشّم؟ وهل ستنجح القوى الدولية في استعادة الثقة بما يجعل السودان لا يرفض يد العطاء، بل يستقبلها كإضافة حقيقية لمساره نحو السلام؟ وهل ستظل ذاكرة الشعب شاهدة على التمويل كعامل إصلاح أم كذكرى جديدة لشرخ لم يُصلح بعد؟ وهل يمكن أن تتحوّل الأموال من مجرد أدوات لردم الحفر المادية إلى نبراسٍ ينير الطريق نحو العدالة الاجتماعية وإعادة بناء الدولة الحقيقية التي يحلم بها السودانيون؟ وهل يمكن أن تتحوّل هذه المبادرات إلى جسرٍ يعيد ربط الأرض المنكوبة بالوعي الوطني، ويحول المعاناة إلى إرادة للتغيير، ويصبح السودان مرة أخرى أرضًا تستقبل الحياة قبل أن تبتلعها الحرب؟

الأستاذ: موسى داؤد
كاتب ومحلل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى