اخباررأي

موسى داؤد يكتب :المدنيّة: سموُّ الفكرِ وتهذيبُ السلوك 

موسى داؤد يكتب :المدنيّة: سموُّ الفكرِ وتهذيبُ السلوك

 

المدنيّةُ ليست زينةً خارجيةً نختالُ بها في الساحات، ولا شعارًا أجوفَ نُرددهُ في المحافل، بل هي جوهرٌ إنسانيٌّ رفيع، تنبثقُ من عمقِ الضمير، وتتشكلُ في هيئةِ السلوكِ النبيل، والفكرِ المنفتح، والروحِ المتصالحة مع ذاتها ومع الآخر، فهي حالةٌ راقيةٌ من التنظيمِ الأخلاقيِّ والاجتماعي، تنأى بالإنسان عن الفوضى، وتحرّره من غلظةِ القبليةِ وانغلاقِ الجهالة، لتُعيد تشكيله ككائنٍ مسؤولٍ، يدركُ أن التحضّرَ ليس امتلاكَ أدواتِ العصر فحسب، بل أن يُحسنَ استخدامها بما يخدمُ مجتمعه، ويحفظُ كرامةَ غيره، ويصونُ الحقوقَ كما يصونُ الواجبات، فالمدنيّةُ أن تحترمَ القانونَ حتى في غيابِ الحارس، وأن تُنصت للرأيِ المخالف دون تعصب، وأن تزرعَ الجمالَ في الشارعِ قبل الحديقة، وأن تعي أن التنوعَ ليس تهديدًا، بل ثراءٌ يزيدُ المجتمعَ جمالًا واتزانًا، والمدنيّةُ أن ترى في سلوكك مرآةً لقيمك، وفي كلماتك مسؤولية، وفي كل خطوةٍ تخطوها أثرًا إمّا يعلو بك، أو يُسقطك من علياءِ الإنسان إلى دركِ الغريزة، والمدنيّةُ لا تُقاسُ بالمدنِ الكبرى ولا الأبراجِ العالية، بل بمدى انضباطِ الفرد في صغائره، واحترامه لأبسطِ مظاهرِ الحياةِ العامة، فهي في أن تُفسحَ الطريقَ لعابرٍ مُتعب، وفي أن تُنظفَ محيطك دون أن تنتظر ثناءً، وفي أن تُحاورَ بهدوءٍ، وتختلفَ برُقي، وتمنحَ غيرك حقه في الوجود، كما تحبُّ أن يُمنحَ لك، إن المدنيّةَ ليست انتقالًا من البداوةِ إلى العمرانِ فقط، بل هي ارتقاءٌ في الفهمِ، ونضجٌ في الحسِّ، وتطهيرٌ للنفسِ من شوائبِ الأنانيةِ والاستعلاء، وهي صورةٌ مكتملةٌ للإنسان حين يسمو على غرائزه، ويُهذّبُ ذاته، ويسعى لبناءِ مجتمعٍ يسوده العدلُ والسلامُ والتكافلُ والاحترام، فمن أراد أن يكون متمدنًا، فليبدأ بذاته، ولينقّها من شوائب الجهلِ والكراهية، وليجعلْ من كل موقفٍ فرصةً للتهذيب، ومن كل اختلافٍ بابًا للفهم، ومن كل يومٍ حقلًا جديدًا تُزهر فيه أخلاقُ المدينةِ لا حجارتها، وسلوكُ الإنسانِ لا مظهره، فهكذا فقط نبلغُ معنى المدنيّة، لا وهمًا نتغنى به، بل حياةً نمارسها، ومسؤوليةً نتحملها، ودرجًا نرتقي به نحو مجتمعٍ يليقُ بإنسانيّتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى