رأي

الاستاذ / موسى داؤد.. يكتب: جانيت ماك إلغوت… حين تنتصر الكلمة للإنسان وتُسمّي الجريمة باسمها

الاستاذ / موسى داؤد.. يكتب: جانيت ماك إلغوت… حين تنتصر الكلمة للإنسان وتُسمّي الجريمة باسمها

 

تشرفتُ بلقاءٍ وديٍّ رفيع المقام مع السيدة جانيت ماك إلغوت، الرئيس الفخري لنا في جمعية الصداقة الشعبية السودانية–الأميركية، القادمة من الولايات المتحدة بدعوةٍ كريمة من المركز العالمي للدراسات السياسية والاستراتيجية، للمشاركة في سمنارٍ استشرافيٍّ تناول آفاق العلاقات السودانية–الأميركية، في لحظةٍ وطنيةٍ بالغة الحساسية، تبحث فيها البلاد عن صوتٍ أخلاقيٍّ صافٍ لا يساوم على كرامة الإنسان، ولا يلوّن الحقيقة بأقنعة المصالح.

سبق السمنار اجتماعٌ خاص مع المكتب التنفيذي للجمعية، اتسم بعمق النقاش ونقاء الرؤية. وقد أضفت السيدة جانيت على اللقاء مسحةً إنسانيةً شفيفة؛ جاءت كلماتها هادئة النبرة، راسخة الدلالة، كأنها تذكيرٌ قديم بأن الحقيقة—مهما أُحيطت بالحصار—لا تموت صامتة، وأن الضمير الحيّ لا يعرف الحياد حين تُداس القيم وتُغتال المعاني.

تحدّثت جانيت بمحبةٍ صادقة عن دارفور، لا بوصفها جغرافيا للوجع فحسب، بل بوصفها تاريخاً عريقاً للحضارة والسلطنة والكرامة. استحضرت سيرة السلطان علي دينار، رمز السيادة والعدل، وتوقّفت عند مكانته في الوجدان السوداني، شاهداً على دارفور التي قاومت الاستعمار، وصانت هويتها، وأسهمت في صياغة الضمير الوطني. كان حديثها عن دارفور حديث معرفةٍ واحترام؛ عن تاريخٍ لم يُكتب بالحبر وحده، بل بالتضحيات والمواقف. وقد أسعدني تقديرها وإشارتها إليّ في سياق حديثها عن سلطنة دارفور، بما يعكس إنصاتاً حقيقياً ووعياً بالتفاصيل.

ومن هذا العمق الإنساني والتاريخي، سمّت الجريمة باسمها بلا مواربة. توقّفت بوضوح عند الجرائم التي ارتكبتها مليشيات الدعم السريع الإرهابية بحق المدنيين في دارفور، وولاية الجزيرة، وقرى ود النورة، وفي الخرطوم وسائر المدن التي وطأتها المليشيات؛ حيث أُحرقت البيوت، وانتهكت الكرامات، وسُفكت الدماء بوحشيةٍ ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لم تُلطّف قسوة الحقيقة، ولم تلجأ إلى التباس اللغة. أكدت أن ما جرى ليس أخطاءً عابرة ولا انفلاتاً مؤقتاً، بل نهج عنفٍ منظّم يستهدف الإنسان السوداني في حياته وذاكرته ومستقبله. كان حديثها إنصافاً للضحايا، وتثبيتاً لمعنى العدالة، وتأكيداً على أن الصمت شراكة في الجريمة، وأن العدالة تبدأ بالاعتراف، ثم بالمحاسبة، ثم بترميم ما انكسر في روح الوطن.

هكذا كان اللقاء: لحظة إنصاتٍ نادرة، أثبتت أن للكلمة الصادقة سلطاناً، وللموقف النبيل وزناً، وأن جسور الصداقة—حين تُبنى على الوعي والعدل واحترام التاريخ—قادرةٌ على مقاومة العتمة، وفتح نوافذ الأمل في جدار الألم السوداني الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى