رأي

السفير.د.معاوية التوم يكتب :سد النهضة : هل يتحول من مصدر توتر إلى جسر للتعاون الإقليمي بين دوله!؟

السفير.د.معاوية التوم يكتب :سد النهضة : هل يتحول من مصدر توتر إلى جسر للتعاون الإقليمي بين دوله!؟

 

 

مقدمة:

لحظة تاريخية في حوض النيل الشرقي

 

افتتاح سد النهضة الإثيوبي ليس مجرد حدث هندسي أو مشروع بنية تحتية ضخم، بل هو لحظة فاصلة في تاريخ حوض النيل الشرقي، لما يحمله من دلالات سياسية واستراتيجية واقتصادية. منذ أن بدأت إثيوبيا في تشييد السد قبل أكثر من عقد في ٢٠١١.

فاختيار يوم الـ 9 سبتمبر لافتتاح سد النهضة يحمل دلالات رمزية مهمة؛ فهو يعكس إنجازًا وطنيًا لإثيوبيا في تحقيق مشروع القرن، ويُرسل رسالة سياسية قوية إلى دول الحوض الأخرى حول القدرة على إتمام المشروع رغم الضغوط، كما يشير إلى بداية فصل جديد في إدارة المياه والتعاون الإقليمي، ما يستدعي تحاورًا فاعلًا لضمان مصالح جميع الأطراف . فالمشروع يقف على خلفية تأريخية وسياسية اسمتها أثيوبيا ب (سردية الحرمان الاستعمارية)و ظل محل خلافات حادة، فبينما ترى فيه أديس أبابا رمزًا للسيادة والنهضة الوطنية وأداة لتحقيق التنمية المستدامة وتوليد الطاقة الكهرومائية، تعتبره القاهرة تهديدًا وجوديًا لمواردها المائية، يؤثر على الزراعة والصناعة ومياه الشرب ، ويُنظر إليه في الخرطوم بقدر من الريبة الممزوجة بالأمل، بين مخاوف الانهيار من ناحية خاصة الروصيرص، وصعوبة ادارة الري الموسمي ومخاطر البيئة، وإمكانات الاستفادة من تنظيم تدفق المياه والتوسع الزراعي من ناحية أخرى، الي درء مخاطر الفيضانات.

اليوم وبعد اكتمال السد ودخوله مرحلة التشغيل والافتتاح ، تتجدد الأسئلة الكبرى: هل سيبقى سد النهضة مصدرًا للتوتر والصراع الإقليمي، أم يمكن أن يتحول إلى جسر للتعاون والشراكة الثلاثية بين إثيوبيا والسودان ومصر؟

أولاً: خلفية النزاع وتطورات السد

يُعد سد النهضة أكبر مشروع مائي في إفريقيا، بسعة تخزينية هائلة تتجاوز 70 مليار متر مكعب، وطاقة توليد كهربائية تصل إلى أكثر من 6 آلاف ميغاوات. هذه الأرقام الضخمة جعلته مشروعًا استراتيجيًا لإثيوبيا التي تسعى إلى تلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة وتصدير الكهرباء إلى جيرانها.

غير أن موقع السد على النيل الأزرق، الرافد الرئيس الذي يمد نهر النيل بحوالي 85% من مياهه، جعله محور صراع محتدم بين الدول الثلاث. مصر، التي تعتمد بنسبة 95% على مياه النيل، ترى في السد تهديدًا مباشرًا للأمن المائي والغذائي لمئة مليون نسمة. السودان من جانبه ينظر إلى السد من زاويتين: الأولى فنية تتعلق بمخاطر الانهيار أو سوء الإدارة، والثانية سياسية ترتبط بإمكانية استخدامه كورقة ضغط سياسية في النزاعات.

ورغم جولات التفاوض الطويلة برعاية الاتحاد الإفريقي وجهات دولية، لم تصل الأطراف الثلاثة إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل. ومع اكتمال السد، بات الواقع يفرض نفسه: النزاع لم يعد حول بناء السد، بل حول كيفية إدارته وتداعياته كونه اصبح امراً واقعا .

ثانياً: المخاوف السودانية والمصرية – بين الوجودي والفني

1. المخاوف المصرية

تُعد مصر أكثر المتضررين من مشروع السد، إذ تعتمد بشكل شبه كامل على النيل لتوفير مياه الشرب والزراعة والصناعة. أي نقص في التدفق المائي ينعكس مباشرة على الأمن القومي. الخوف الأكبر هو أن تتحكم إثيوبيا في صنبور المياه، فتوظف السد كورقة سياسية أو تفاوضية، مما يضع القاهرة في موقف ضعف استراتيجي.

2. المخاوف السودانية

أما السودان، فهواجسه متعددة. من الناحية الفنية، يخشى من انهيار السد أو سوء إدارة المياه بما يؤدي إلى فيضانات كارثية أو عطش قاسٍ. ومن الناحية الاقتصادية، فإن السد قد يحرم السودان من قدرته على التخزين والتوليد الكهربائي في مشاريعه الوطنية. سياسيًا، يظل الخوف من أن يتحول السد إلى أداة ضغط تمارسها أديس أبابا في أوقات النزاع.

لكن، في المقابل، يدرك السودان أن السد يمكن أن يحقق له فوائد ملموسة مثل تقليل الفيضانات وتنظيم تدفق المياه بما يحسّن الزراعة ويوفر طاقة كهربائية بأسعار مخفضة. هذا التوازن بين الخوف والأمل يجعل موقف الخرطوم أكثر تعقيدًا من موقف القاهرة.

ثالثاً: الفراغ القانوني والدبلوماسي

رغم توقيع إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015، والذي نص على التعاون وحسن النية، إلا أن غياب اتفاق قانوني شامل وملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل ظل مصدر القلق الأساسي. هذا الفراغ القانوني يجعل مصير الأمن المائي رهينًا للإرادة السياسية الإثيوبية، ويضاعف منسوب التوتر.

إثيوبيا تصر على أن السد مشروع سيادي لا يحتاج إلى إذن من أحد، بينما تتمسك مصر بحقوقها التاريخية المقررة في اتفاقيات 1929 و1959. السودان، من جانبه، يدعو إلى اتفاق فني ملزم يضمن سلامة السد وحقوقه المائية. وهكذا يبقى النزاع عند مفترق طرق: بين السيادة الوطنية والمنفعة المشتركة، وبين حق التنمية وحق البقاء.

رابعاً: فرص التعاون وتحويل التهديد إلى فرصة

رغم حدة الخلافات، فإن سد النهضة يفتح أيضًا أبوابًا للتعاون إذا ما توفرت الإرادة السياسية.

1. التكامل الكهربائي: يمكن للسد أن يصبح ركيزة لمشروع تكامل طاقوي إقليمي، حيث تصدر إثيوبيا فائض الكهرباء إلى السودان ومصر بأسعار تنافسية، ما يسهم في دعم التنمية الصناعية والزراعية.

2. تنظيم الجريان المائي: بفضل السد يمكن تقليل الفيضانات المدمرة التي عانى منها السودان، وتحسين استقرار إمدادات المياه للزراعة.

3. المشروعات الزراعية المشتركة: بدلاً من التنازع حول المياه، يمكن للدول الثلاث أن تطور مشروعات زراعية مشتركة تستفيد من انتظام التدفق المائي.

4. آلية إقليمية للحوار: سد النهضة يمكن أن يكون دافعًا لإنشاء آلية تعاون إقليمي شاملة لحوض النيل الشرقي، بما يحوّل النهر من مصدر صراع إلى رافعة للتنمية.

خامساً: آليات الطمأنة وبناء الثقة

لكي يتحول السد من بؤرة صراع إلى جسر تعاون، لا بد من إجراءات عملية للطمأنة:

• اتفاق قانوني ملزم: يحدد بوضوح قواعد الملء والتشغيل ويمنع الاستخدام السياسي للسد.

• غرفة عمليات مشتركة: تضم خبراء من الدول الثلاث لمتابعة التدفقات المائية وإدارة الأزمات.

• الضمانات الدولية: إشراك الأمم المتحدة أو البنك الدولي كضامنين للاتفاق.

• المصالح المتبادلة: مشاريع اقتصادية وزراعية وكهربائية مشتركة تخلق مصالح متوازنة تحول دون الصراع.

. ارادة سياسية ترى في السد فرص و ليس تهديدا.

سادساً: الدروس المستفادة من التجارب الدولية

النزاعات حول الأنهار الدولية ليست جديدة. من نهر الدانوب في أوروبا إلى نهر الميكونغ في آسيا، أثبتت التجارب أن التعاون هو السبيل الوحيد لإدارة المياه العابرة للحدود. هذه النماذج تقدم دروسًا للدول الثلاث: بدلاً من الانغلاق على خطاب السيادة أو التهديد العسكري، يمكن تبني مقاربة المنفعة المشتركة.

سابعاً.سيناريوهات المستقبل: بين التعاون والجمود

مستقبل سد النهضة بعد الافتتاح يقف على مفترق طرق واضح بين سيناريوهين رئيسيين. السيناريو الأول يقوم على التعاون والتكامل الثلاثي بين إثيوبيا والسودان ومصر، عبر حوار مستمر وآليات قانونية ودبلوماسية وفنية مشتركة، ما يعزز الأمن القومي التكاملي ويحول السد إلى منصة للتنمية المشتركة وحماية مصالح شعوب الدول الثلاث. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في الجمود والتصعيد، حيث استمرار الخلافات والغياب عن الحوار يؤدي إلى تفاقم التوترات المائية والسياسية، ويجعل السد نقطة توتر إقليمي محتملة، وتصعيد سياسي وإعلامي مستمر مع مخاطر على الأمن والاستقرار الإقليميين لا حاجة لاي طرف في ذلك في التحديات التي تواجه كل دولة..

خاتمة: من الشكوك إلى المستقبل

سد النهضة بعد الافتتاح ليس مجرد مشروع إثيوبي، بل واقع جيوسياسي يفرض تحديات وفرصًا على دول حوض النيل الشرقي. المخاوف السودانية والمصرية مشروعة، لكنها لا تمنع البحث عن سبل التعاون إذا تم تبني منظور شامل يستند إلى الإخاء والجوار والمصير المشترك.

تحقيق هذا الهدف يستلزم إطار حوار سياسي ثلاثي بين إثيوبيا والسودان ومصر، يضع في مقدمة أولوياته حماية مصالح شعوب الدول الثلاث وتقريب وجهات النظر حول إدارة المياه والتنسيق في التنمية والطاقة والزراعة. هذا الحوار لا يعالج فقط النزاعات المائية، بل يسهم في تعزيز الأمن القومي التكاملي الذي يربط بين الاستقرار الداخلي للدول وأمنها الإقليمي. وربما نموذجًا لإدارة النزاعات المائية في إفريقيا والعالم، ويفتح آفاقًا للاستثمار الثلاثي طويل الأمد متعدد الفضاءات والمنافع.

إذا نجحت الأطراف في تحويل الشكوك إلى تعاون بناء، وأثبتت تعزيز إرادتها في احترام مصالح بعضها البعض، فإن سد النهضة يمكن أن يتحول من مصدر توتر إلى جسر استراتيجي للتعاون الإقليمي، يرسخ قيم الجوار الطيب والآمن وحماية الظهر ، ويحقق التكامل الاقتصادي والسياسي، ويضع أسسًا لمستقبل أكثر استقرارًا لشعوب حوض النيل.

————-

٩ سبتمبر ٢٠٢٥م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى