عبدالرحمن دقش يكتب: كل الزوايا – هل كانت حرب أبريل جاهزة قبل عام؟

عبدالرحمن دقش يكتب: كل الزوايا – هل كانت حرب أبريل جاهزة قبل عام؟
ليت في جامعة الخرطوم، عندما كنا طلابًا في كلية التربية، درسنا شيئًا من علوم الاستخبارات والأمن إلى جانب علم النفس والسايكولوجي. فقد كان الراحل البروفيسور مندور المهدي، عميد الكلية آنذاك، من أوائل من أدركوا أهمية فهم الإنسان وسلوكه في تحليل الأحداث. ولو أُتيح لنا ذلك، لربما كانت لدينا اليوم قدرة أكبر على قراءة المؤشرات قبل أن تقع الكوارث.
تذكرت هذا حين عدت إلى السودان في يناير 2023، أي قبل اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بأربعة أشهر فقط. منذ تلك الأيام، كانت رائحة الحرب تلوح في الأفق لمن يملك حسّ التحليل الأمني. شعرت حينها أن البلاد تمضي نحو أزمة كبيرة، لكن ما أثار قلقي هو أن الاستخبارات والأمن لم يبدُ أنهما يستوعبان حجم الخطر القادم.
لقد بدا واضحًا أن هناك خللًا في منظومة الرصد والتحليل، فالأجهزة المعنية لم تلتقط إشارات الاستعداد للحرب، رغم أن كثيرًا من الوقائع اليومية كانت تشير إلى أن شيئًا غير عادي يجري تحت السطح.
أثناء إقامتي في الخرطوم وتنقّلي بين سنجة ومدني والخرطوم، لاحظت أمرًا لافتًا: ظهور عدد كبير من البصات الحديثة، يركبها أشخاص من ملامح ولهجات مختلفة، ويتوقفون في محطات محددة يعرفها السائقون مسبقًا. كانت تصرفاتهم منسّقة بشكل يثير التساؤل، وكأن هناك جهة تنظّم هذه الرحلات بهدوء.
لم يكن من واجب المواطن العادي تفسير ذلك، لكن كان من الطبيعي أن تقوم أجهزة الأمن والاستخبارات بمتابعة مثل هذه التحركات غير المألوفة. فالأمن ليس فقط في المكاتب، بل في التفاصيل الصغيرة التي تسبق الأحداث الكبرى.
وفي سياق آخر، لاحظت أثناء وجودي في كافوري 6 بالخرطوم بحري، أن البعض من المقيمين في المنطقة أرسلوا أبناءهم إلى الخارج قبل عام تقريبًا من اندلاع الحرب، وهو ما أثار أسئلة مشروعة حول ما إذا كانت لديهم مؤشرات مبكرة عمّا سيحدث.
كما برز مشروع غامض تمثل في مدرسة لتعليم اللغة الإنجليزية نُسب إنشاؤها إلى جهات قريبة من قوات الدعم السريع، بتكلفة عالية، وبدعم لوجستي غير معتاد. كانت الأنشطة حول المشروع مثيرة للتساؤل: سيارات بلا لوحات، تداول مبالغ كبيرة من فئة الخمسمائة جنيه جديدة تمامًا، وعدد كبير من المشرفين. ثم فجأة توقفت أعمال البناء، وتحول المشروع إلى مدرسة أخرى باسم مختلف، من دون أي تفسير واضح.
بحكم عملي الصحفي، حاولت تتبّع الخيوط لمعرفة خلفيات الأمر، فقادتني المصادفة إلى موقع في شمبات يحمل لافتة “إعلام الدعم السريع” على مساحة واسعة ومهيأة بشكل كامل. تساءلت حينها: هل كانت هذه التحركات تتم بعلم الجهات الرسمية؟ وهل تمت متابعتها من قبل الاستخبارات أو وزارة الإعلام آنذاك؟
ما يمكن قوله، استنادًا إلى الملاحظة والتحليل، هو أن حرب أبريل 2023 لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها تحضيرات ميدانية وتنظيمية كان يمكن رصدها لو توفرت قراءة أمنية دقيقة.
إن جوهر المشكلة – في تقديري – لا يكمن فقط في نوايا الأطراف التي خططت للحرب، بل أيضًا في ضعف في أداء الرصد للأجهزة المنوط بها المتابعة، وعدم قدرتها على قراءة المؤشرات المبكرة أو التعامل معها بجدية.
هذه ليست اتهامات بقدر ما هي قراءة لتقصير مؤسسي كان يمكن أن يُجنّب البلاد تلك المأساة.
ولذلك، فإن الدرس الأكبر من حرب أبريل هو أن الأمن ليس ردّ فعل بعد الانفجار، بل وعيٌ استباقي وإدراكٌ للمشهد قبل أن يشتعل.








