الأستاذ / موسى داؤد .. يكتب صوتُ الكرامة… ورفضُ الالتفاف السياسي وعودة الهاربين

صوتُ الكرامة… ورفضُ الالتفاف السياسي وعودة الهاربين
كتب الأستاذ/ موسى داؤد
في زمنٍ تتعرّى فيه الوجوه، وتنكشف فيه معادن الرجال كما ينكشف جوهرُ الذهب تحت لهيب النار، وفي لحظةٍ فاصلة لا تُبقي غربلةُ الأيام فيها إلّا على الثابتين على العهد، ينهض صوتُ السودان ـ وطنًا وشعبًا وتاريخًا ـ ليقول كلمةً فاصلة لا لبس فيها:
لا مكان للهاربين، ولا عودة للمتسلقين، ولا ظهور لمن دنّس تراب الوطن بجرائم المليشيات الإرهابية بين الشرفاء.
فعندما اشتعلت نارُ مليشيا الدعم السريع، وارتجفت الأرض تحت خطى الموت، وقف الشعب وحده… صامداً، مقاتلاً، حاملاً عبءَ الخراب في صدره. وفي المقابل، اختار بعضُ السياسيين الهرب مذعورين، وتركوا الوطن يواجه مصيره وحيداً. ثم عادوا اليوم يبحثون لأنفسهم عن مقاعد أمامية وكأن الذاكرة الوطنية أصابها العمى، وكأن دماء الشهداء صمتت، أو كأن التاريخ يمكن أن يغفر لمن خانوا ساعة الامتحان.
هؤلاء ـ مهما تلونوا وتحايلوا ـ لا مكان لهم بين الرجال الذين لم يفرّوا، ولم يترددوا حين نادى الواجب. لا منبر لهم بين صُنّاع ملحمة حرب الكرامة، ولا مقعداً في مجالس الوطن التي لا يجلس عليها إلا من ثبت في الميدان ساعة العسرة.
ولذلك نرفض ـ وبصوتٍ لا ينحني ـ أن يُقدَّم للشعب رجلٌ متَّهَم بجرائم المليشيات ليتحدّث باسمه، أو ليجلس على منصة مؤتمر في بورتسودان أو غيرها. فكيف يعود من تلطخت يداه بدم الأبرياء متدثراً بثوب الواعظ الوطني؟! وكيف يُسمح لمن فرّ من الميدان أن يعود بوجهٍ مزيَّنٍ بالابتسامات؟!
نحن شعبٌ يعرف معنى الشرف، ويحفظ الذاكرة، ويميز بين من عاش الوطن في وجدانه، ومن اتخذ الوطن سُلّماً يتسلق به نحو السلطة.
ولا يعنينا من أطلق سراحهم، ولا أيادٍ دفعت بهم إلى الواجهة، ولكن يعنينا ألا يتصدروا المشهد باسمنا. فالتمثيل شرف، والشرف لا يُمنح إلّا لمن حملوا الوطن على أكتافهم حين انكسر كل شيء.
وعلى ولاة الولايات أن يلتفتوا إلى الجبهة الحقيقية: جبهة القتال، وأن يوحّدوا الصف خلف القوات المسلحة بدلاً من الانشغال بقضايا انصرافية لا تورث سوى الشقاق، ولا تجلب إلا إعادة إنتاج الصراعات القبلية التي دفع السودان ثمنها دمًا ودموعًا.
كما ننبّه أصحاب القرار إلى خطر المتسلقين العائدين الذين يحاولون استخدام قضايا الولايات جسراً للعودة إلى الضوء. فالأموال التي تُهدَر في تجمعات الكندشة وتضخيم الصور وتنظيم المحافل العبثية، هي أَوْلى أن تُوجَّه إلى مراكز الإيواء التي تئن بالنازحين، وإلى معسكرات التجنيد التي ترفد الميدان بالرجال، وإلى خطوط الإمداد التي تُسند ظهر الوطن.
نحن لا نحتاج إلى احتفالات مزخرفة، بل إلى هتاف صادق يجلجل أمام بوابات الأمم المتحدة، وإلى مواقف لا تشترى ولا تُستأجر، وإلى رجال يضعون أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن أرضهم.
أمّا من خرجوا من السجون أو كانوا متهمين بالتعاون مع مليشيات الدعم السريع الإرهابية، فليس لهم إلا طريقٌ واحد:
طريق الميدان… لا طريق المنصات.
فالتطهر لا يكون بالابتسامات أمام الكاميرات، بل يكون بالثبات، وبالصدق، وبالدم الذي يُقدَّم للوطن يوم الشدة.
نحن لا نسألهم كيف خرجوا… فذلك شأنهم.
لكننا نقولها واضحةً لا تلعثم فيها:
نرفض أن يمثلونا.
فالتمثيل شرف، والشرف لا يليق إلا بأهله… وقد عرفنا أهله يوم كانت السماء تمطر ناراً، والأرض تهتز تحت وقع المعارك، ولم يهربوا.
هؤلاء هم أبناء السودان… وهؤلاء وحدهم من يستحقون الصدارة.
تحية الختام
التحية والتقدير للإدارات الأهلية التي صبرت وساندت وحملت الوطن في قلبها وكتفها.
والتحية لكل الشرفاء من أبناء الشعب السوداني الذين ثبتوا يوم الضعف وصدقوا يوم الشدة.
ولا تحية… ولا سلام… للمنافقين، والمدسوسين، والمتسلقين.
فالسودان لا ينهض إلا بأهله… وأهله هم الذين لم يهربوا.








