رأي

بشارة جمعة أرور.. يكتب : عُجر وبُجر المشهد السياسي .. السردية  المغلقة، الواقع العنيد، ومتلازمة الوهم

 

 

بشارة جمعة أرور.. يكتب : عُجر وبُجر المشهد السياسي .. السردية  المغلقة، الواقع العنيد، ومتلازمة الوهم

 

 

“الواقع لا يجيد المجاملة، والوهم مهما طال لا يصلح سياسة ولا يبني دولة.”

“حين تصبح السياسة مسرحاً للبلاغة والفشل بطولة مؤجلة، يظهر عُجر وبُجر المشهد السياسي، حيث تتحول العقلانية إلى إنشاد جماعي للسردية الواحدة، ويصبح الإنكار المستمر والتمسّك بالوهم مؤشراً واضحاً على العجز.”

 

في الأزمنة السياسية المرتبكة، لا يكون الخلل في شُح الوقائع ولا في ندرة المعلومات، بل في فيض الخطابات التي تحاول أن تحل محلها. وكأن اللغة في السياسة أصبحت سلطة مستقلة تتجاوز الفعل، وكأن الكلام نفسه صار سلاحاً يعلو على الواقع.

حين تعجز السياسة عن إنتاج حلول أو تقديم مقترحات بديلة، تغدق البلاغة نفسها على المشهد، وكأنها تحاول أن تُخفي الفجوة بين القول والفعل. وهكذا، لا يعاني المشهد السياسي السوداني من غياب الرؤية وحده، بل من انسداد الوعي الذي يجعل اللغة تغطي العجز، والخطاب يحجب الفشل، والانشغال بالتمظهر أعلى من الانشغال بالواقع.

تتحول السياسة في هذا السياق من فن لإدارة التعقيدات وتدبير الممكن إلى طقس يومي لتقديس الوهم، ومن ممارسة عقلانية إلى إنشاد جماعي لسردية واحدة مغلقة على نفسها، لا تسمع إلا صداها، ولا ترى إلا ما يخدم استمرارها.

هنا، لا يعود الاختلاف اختلافاً مشروعاً في الرؤية أو تضارباً طبيعياً في المصالح، بل يُعاد تعريفه بوصفه انحرافاً من المسار الصحيح. وتُعاد تسويغ كل أخطاء الواقع على أنها نتاج العوامل الخارجية، وكأن كل الظروف والقوى تتآمر في لغة التحليل السياسي لتحدي ما يُسمى السياسة الصحيحة.

تتشكل في هذا الإطار السردية المغلقة، التي تشبه في بنيتها قبة صخرية عالية، محكمة من الداخل، لكنها محجوبة عن الهواء، لا تتنفس، ولا تسمح للضوء بالدخول.

هذه السردية تدعي الاكتمال، وتتصرف كما لو أنها وصلت إلى الحقيقة النهائية. فلا ترى في السؤال إلا تشكيكا، ولا في المراجعة إلا هزيمة، ولا في الاعتراف بالخطأ إلا ضعفاً.

في ظل هذه السردية، لا يُقاس النجاح بما يحققه من أثر ملموس، بل ببلاغة تبريره، ولا يُقاس الفشل بما ينطوي عليه من عواقب، بل بقدرة الخطاب على إعادة تسويقه كإنجاز أُحبط بفعل الآخر، ذلك الآخر الذي يُستدعى دائماً لتبرير أي فجوة أو أي قصور في التنفيذ.

مع ترسخ هذه السردية، تتحول السياسة تدريجياً إلى نظام اعتقاد، لا مجالاً لتدبير شؤون المجتمع. يُطلب من الجمهور أن يؤمن بما يُقال لا أن يفهمه، ويصفق لا أن يقيم، ويختبر مشاعره أكثر من الحقائق. هنا، تفقد اللغة دورها التفسيري، وتتحول من أداة عقل إلى أداة إقناع، ويُستعاض عن الواقع بسردية تحاول أن تكون بديلاً عنه.

غير أن السياسة، مهما بالغت في الخطاب، تظل محكومة بعامل لا يخضع للغة، ولا للشعارات، ولا للبلاغة: الواقع،

الواقع، بطبيعته عنيد، لا يلين أمام الخطاب ولا يتأثر بالبلاغة، ولا يعترف بشرعية تُنتجها اللغة وحدها. هو حاضر ثقيل، يفرض نفسه بأحداثه المتكررة، بتناقضاته وبخسائره، وبمراجعاته اليومية التي لا يمكن تأجيلها بلا ثمن.

وكلما ازدادت المسافة بين الخطاب وبين هذا الواقع، انقلب الخطاب من أداة دفاع إلى آلية كشف ذاتي، ويبدأ في عرض عُجره وبُجره بنفسه، كمرآة صلبة تعكس التشققات مهما أُحسن تلميع الواجهة، وكصفعة صامتة لكل من يظن أن الكلام يمكن أن يطوي الواقع أو يُعيد تشكيله.

الإفراط في الإنكار لا يخفي العجز، بل يسلط الضوء عليه ويكشف هشاشة البناء السياسي الداخلي…، التوسع في التخوين لا يحصن الشرعية الزائفة…، بل يفضحها أمام الجميع.

حين تتحول كل أزمة إلى مؤامرة…، وكل نقد إلى عمالة…، وكل فشل إلى استهداف خارجي…، يصبح الخطاب ذاته كاتب اعترافه المؤجل، دون أن يعي، وبصوت عالٍ لا يحتمل الشك.

هنا، لا يحتاج المشهد السياسي إلى خصم ذكي، لأن اللغة تبدأ في التفلت من صاحبها، وتتحول من أداة سلطة إلى شاهد إدانة.

في هذه اللحظة تتجلى متلازمة الوهم بوصفها ظاهرة سياسية مكتملة، لا مجرد خطأ عابر.

إنها ترى القوة في القبضة لا في الشرعية، وتقدر السيطرة والهيمنة في الإقصاء لا في التوافق، وتجعل من الاستثناء قاعدة دائمة لا مجرد حالة مؤقتة.

في ظل هذا الوهم، تُعلق القواعد باسم المرحلة، وتُؤجل المحاسبة باسم الأولويات، وتُدار الأزمات بدل أن تُحل. بينما يُعاد تدوير الفشل تحت مسميات أكثر طمأنينة وأقل صدقاً، فتتحول الأزمة إلى صفة دائمة ملازمة للسياسة نفسها.

أخطر ما في هذا المسار ليس الفشل ذاته، بل الاطمئنان إليه.

فالخطاب، حين يفقد قدرته على رؤية نفسه، يتحول من أداة قيادة إلى عبء على الواقع، ومن لغة سلطة إلى شاهد سقوط.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: من أخطأ؟ بل السؤال الأخطر: من لا يزال يصر على الإنكار؟ رغم كل الانكشافات، رغم كل التناقضات، رغم كل الضربات التي يسقط فيها الوهم على نفسه.

الخروج من هذا النفق لا يكون بسردية أعلى صوتاً، ولا بوهم أكثر إقناعاً، بل بعقل سياسي شجاع يعترف بحدود القوة، ويعيد الاعتبار للوقائع، ويفصل بين الإيمان السياسي وإدارة الدولة.

المراجعة ليست ضعفاً، بل الشرط الأول للرشد، والاعتراف ليس سقوطاً، بل بداية النهوض…، السياسة التي ترفض المرآة لا تحمي صورتها، بل تضمن تشوهها أمام الجميع.

في المحصلة، لا يُختبر المشهد السياسي بما يقوله عن نفسه، بل بما يعجز عن إنكاره.

ومن يُصر على السكن داخل سرديته المغلقة سيجد نفسه عاجلاً أو آجلاً واقفاً في العراء، وقد عُرضت عُجره وبُجره، لا لأن خصومه فضحوه، بل لأن الواقع لا يجيد المجاملة، ولأن الوهم مهما طال لا يصلح سياسة ولا يبني دولة.

أخطر ما في الوهم السياسي أنه لا يكذب على الآخرين، بل يُقنع صاحبه أنه فوق الخطأ.

وحينها، لا يحتاج الواقع إلى فضحه…، يكفي أن يُترك يتكلم، فيعرض عُجره وبُجره بنفسه، ويُسقط نفسه قبل أن يسقطه الآخرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى