الأستاذ: موسى داؤد .. يكتب : الإيقادُ ينادي… والسُّودانُ يلبّي نداءَ التاريخ

الإيقادُ ينادي… والسُّودانُ يلبّي نداءَ التاريخ
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
في السياسة، لا تعودُ الدولُ إلى المنصّات الإقليميّة كما يعودُ المسافرُ إلى مقعدٍ شاغر، بل تعودُ كما يعودُ القلبُ إلى جسده؛ ضرورةً لا ترفاً، ووظيفةً لا ديكوراً. من هذا الأفق، ينبغي قراءة ترحيب جمهوريّة جيبوتي، بصفتها الرئيس الدوري لمنظّمة الإيقاد، بعودة السُّودان إلى عضويّة الهيئة الحكوميّة للتنمية: ليس بوصفه بياناً بروتوكوليّاً، بل باعتباره إعلاناً جيوسياسيّاً عن استعادة محورٍ مفقود في معادلات القرن الإفريقي.
لقد التقطت جيبوتي، بحدسها الاستراتيجيّ العميق، حقيقةً ظلّ كثيرون يتغافلون عنها: أنَّ الإيقاد من دون السُّودان جسدٌ بلا عمودٍ فقري، وأنَّ شرق إفريقيا والقرن الإفريقي من دون الخرطوم يتحوّلان إلى فراغٍ أمنيّ وسياسيّ قابلٍ للاختراق من قِبل قوى الفوضى الإقليميّة والدوليّة. فالسُّودان ليس مجرّد دولة عضو، بل هو عقدة الوصل بين وادي النيل، والقرن الإفريقي، وعمق الساحل والصحراء؛ الممرّ الإجباريّ لمشاريع الأمن الغذائي، والهجرة، واستقرار الإقليم.
بهذا المعنى، تتجاوز دلالات الترحيب الجيبوتي لغة المجاملات الدبلوماسيّة إلى قلب معادلات القوّة. فعودة السُّودان إلى الإيقاد تعني عمليّاً عودة الدولة الوطنيّة إلى شرعيّة الفعل الإقليمي، في لحظةٍ تحاول فيها مليشيات العنف أن تنصّب نفسها بديلاً للدولة، وأن تختطف تمثيل السُّودان خارج حدوده. لذلك يأتي هذا القرار ضربةً استراتيجيّةً لمشاريع التفكيك، ورسالةً صريحةً بأنّ الإقليم يعترف بالدولة السُّودانيّة لا بكيانات التمرّد.
وحين تتحدّث جيبوتي عن تعزيز التماسك الإقليمي وترسيخ ديناميكيّة العمل الجماعي، فهي تقرّ ضمناً بأنّ السُّودان هو بيضة القَبّان في ميزان الاستقرار شرق إفريقيا. فلا أمن للبحر الأحمر بلا الخرطوم، ولا مكافحة للإرهاب من دون ثقلها الجغرافي والبشري، ولا ضبط للهجرة غير الشرعيّة من دون دورها المحوري، ولا استدامة لسلاسل الإمداد الغذائي في غياب دولة بحجم السُّودان. كانت الإيقاد، من دونه، غرفة عمليّات بلا خريطة.
ومن هنا نفهم لماذا شدّدت جيبوتي على أنّ السُّودان عضوٌ مؤسِّسٌ وفاعل. فهذه الدولة لم تكن يوماً هامشيّة في معمار الإيقاد، بل كانت دائماً صانعةً لتوازناته الخفيّة والعلنيّة. عودة الخرطوم تعني استعادة المنظّمة لوزنها الحقيقي في معادلات القرن الإفريقي، في مواجهة تمدّد الفوضى العابرة للحدود وتزايد تدخلات قوى دوليّة لا ترى في المنطقة سوى ساحة تنافس على النفوذ والموارد.
أمّا الرئيس إسماعيل عمر جيلة، فقد ظلّ، بخبرة رجل الدولة، يدرك أنّ سقوط السُّودان لا يهدّد الخرطوم وحدها، بل يهزّ جيبوتي وأديس أبابا ومقديشو ونيروبي في آنٍ واحد. لذلك كان دعمه المستمرّ للسُّودان تعبيراً عن وعيٍ استراتيجيٍّ بأنّ حماية الدولة السُّودانيّة هي خطّ الدفاع الأوّل عن استقرار الإقليم كلّه. وبهذا الفهم، فإنّ عودة السُّودان إلى بيته الإفريقي ليست عودة ضحيّةٍ إلى الملاذ، بل عودة قاطرةٍ إلى سِكّة التوازن.
وتأكيد جيبوتي أنّ هذه العودة ستعزّز التنسيق والتشاور داخل الإيقاد هو إقرارٌ بأنّ الخرطوم تمسك بمفاتيح ملفاتٍ شديدة الحساسيّة: من اللّاجئين إلى الأمن الغذائي، ومن شبكات التهريب والهجرة إلى خطوط الصراع الإقليمي. بعودة السُّودان، تستعيد الإيقاد عقلها السياسيّ الجمعي بعد أن كادت تنزلق إلى منصّة بيانات بلا قدرةٍ على الفعل.
هكذا، فإنّ عودة السُّودان إلى الإيقاد ليست خطوةً إجرائيّة، بل تحوّلٌ استراتيجيّ يعيد ترتيب المشهد الإفريقي من جديد. إنّها إعلانٌ بأنّ السُّودان، رغم الجراح، لا يزال دولةَ مركزٍ في قلب القارّة، وأنّ من راهنوا على إخراجه من معادلات إفريقيا قد خسروا رهانهم. لقد عاد السُّودان، لا ليطلب مقعداً، بل ليستعيد دوره كصانع توازن في قلب إفريقيا.








