رأي

الفاتح داؤد يكتب،،، بعد قرار فك الارتباط وتحديات التنفيذ: الي اين يتجه مشروع مياه القضارف؟

بعد سنوات طويلة من التعثر والتأجيل، يقف مشروع الحل الجذري لمياه القضارف اليوم أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مصيره بصورة نهائية. ويأتي ذلك عقب إعلان والي القضارف المكلف، الجنرال محمد أحمد حسن “ود الشواك”، أن الخامس عشر من يونيو سيكون موعدًا نهائيًا لفك الارتباط مع الشركة الوطنية الصينية للمياه والطاقة (CWE)، تمهيدًا لاستئناف العمل في المراحل المتبقية من المشروع عبر الشركات وبيوت الخبرة الوطنية.
وقد حظيت هذه التصريحات بارتياح شعبي واسع، باعتبارها تمثل أول خطوة عملية لكسر حالة الجمود التي ظلت تلازم المشروع خلال السنوات الماضية، وأعادت الأمل للمواطنين في إمكانية الوصول إلى حل دائم لأزمة المياه التي أثقلت كاهل الولاية لعقود.
ويُنظر إلى مشروع الحل الجذري لمياه القضارف باعتباره أحد أهم المشروعات التنموية والاستراتيجية بالولاية، ليس فقط لارتباطه المباشر بتوفير مياه الشرب، وإنما لما تمثله أزمة المياه من عائق أمام التنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي. كما استنزفت الأزمة موارد مالية ضخمة ظلت تُوجَّه لمعالجات إسعافية ومؤقتة، كان يمكن استثمارها في مشروعات تنموية أكثر استدامة.
ومن خلال نبرة الثقة التي تحدث بها والي القضارف المكلف، يبدو أن حكومة الولاية قد حصلت على دعم سياسي واضح من الحكومة الاتحادية للمضي قدمًا في استكمال المشروع، إلى جانب تجاوز القيود القانونية والفنية والإجرائية التي ظلت تعطل استئناف العمل خلال الفترة الماضية.
وتشير معلومات متطابقة إلى وجود التزام اتحادي بتوفير دعم عاجل للمشروع بقيمة مليوني دولار، فضلاً عن توجيه وحدة تنفيذ السدود للتنسيق مع الجهات المختصة لاستئناف التنفيذ بأسرع ما يمكن. وفي هذا السياق، يُنتظر وصول مدير وحدة تنفيذ السدود الاتحادية إلى القضارف خلال الأيام المقبلة على رأس فريق فني متخصص، للوقوف ميدانيًا على الوضع الفني وتقييم متطلبات استئناف العمل.
لكن حالة التفاؤل السائدة لا تعني غياب التحديات. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تستطيع الشركات الوطنية استكمال ما تبقى من المشروع بالكفاءة والسرعة المطلوبتين؟
هذا التساؤل يكتسب مشروعيته في ظل تعقيدات فنية مرتبطة بالمقاول السابق، تشمل التصميمات الهندسية والمواصفات الفنية وحجم الأعمال المنفذة سابقًا، فضلاً عن الحاجة إلى ضمان التكامل بين المراحل المنجزة والمتبقية من المشروع.
كما تبرز تحديات أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالترتيبات المؤسسية والإدارية للجهات التي ستتولى الإشراف على التنفيذ، ثم إدارة وتشغيل المشروع بعد اكتماله. فنجاح مشروع بهذا الحجم لا يتوقف عند حدود إنشاء البنية التحتية، بل يتطلب وجود مؤسسات مؤهلة فنيًا وإداريًا، تمتلك الكوادر والخبرات والموارد اللازمة لضمان استدامة الخدمة وتحقيق الأهداف المرجوة منها.
وتتصدر تهيئة بيئة العمل أمام الجهات المنفذة قائمة الأولويات العاجلة، بما يشمل تسريع الإجراءات الإدارية والمالية، وتوفير التمويل في التوقيت المناسب، ومعالجة العقبات المرتبطة بالأراضي ومسارات الخطوط والتأمين والإمدادات الفنية. فالتأخير في حسم هذه الملفات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأسباب ذاتها التي عطلت المشروع خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، لا يقتصر نجاح المشروع على جهود الحكومة وحدها، بل يتطلب بناء شراكة مجتمعية واسعة. فالقطاعات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني والإدارة الأهلية قادرة على أداء أدوار مهمة في تعزيز الثقة بين المواطنين والجهات الرسمية ومتابعة مراحل التنفيذ. كما يقع على عاتق وسائل الإعلام والنشطاء دور رقابي ومهني يوازن بين دعم المشروع وكشف أوجه القصور أو التعثر إن وجدت.
ويبقى مشروع الحل الجذري لمياه القضارف، بكل ما يحيط به من تحديات وتطلعات، الاختبار الحقيقي لقدرة حكومة الولاية على إنجاز المشروعات التنموية الكبرى. وإذا نجحت في استثمار الدعم الاتحادي المتاح، وتجاوز العقبات الفنية والإدارية، فإن القضارف قد تكون على موعد مع نهاية واحدة من أطول وأعقد الأزمات الخدمية والإنسانية التي عانى منها مواطنوها لعقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى