بشارة جمعة أرور يكتب : بين الاستثناء والإقصاء: تعقيب وتوضيح للرأي العام

مرفق أدناه مقال: منطق ” ما عدا ” إلى أين يقود الوطن ؟!، والذي أُثيرت حوله جملة من التعليقات والتساؤلات، الأمر الذي استدعى هذا التعقيب والإيضاح
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مع التقدير لحق الجميع في إبداء الرأي والاختلاف إلا أن المؤسف أن بعض التعليقات انصرفت عن جوهر الفكرة المطروحة إلى مساحات المهاترة والتهكم والمناكفات السياسية وكأن القضية محل النقاش مجرد ساحة لتبادل الاتهامات أو تسجيل المواقف.*
*إن واقع السودان اليوم أكثر تعقيداً وخطورة من أن يُختزل في مهاترات عابرة أو تعليقات ساخرة لا تسهم في بناء فهم مشترك أو تقديم حلول حقيقية فالقضايا الوطنية الكبرى وفي مقدمتها السلام والاستقرار وبناء التوافق الوطني تحتاج إلى حوار مسؤول ورصين يُناقش الأفكار بالحجة والبرهان لا بالتهكمات أو الاستفزازات.*
*ولذلك فإن الاختلاف في الرأي حق مشروع وأمر طبيعي أما تحويل النقاش العام إلى منصة للمزايدات والمهاترات السياسية السمجة فلا يخدم قضية ولا يسعف الوطن الجريح ولا يساعد على مواجهة التحديات الجسيمة التي يمر بها السودان في هذه المرحلة الدقيقة.*
*الاستثناء والإقصاء مفهومان يتداخلان في الاستخدام السياسي لكنهما يختلفان جذرياً في الأساس القانوني والوظيفة والغاية.*
*إن الحديث عن ” الاستثناء ” في المجال السياسي والقانوني هو حديث عن أداة معتبرة من أدوات إدارة الدولة تُمارس في إطار الدستور والقانون وبموجب صلاحيات محددة تُمنح للسلطات المختصة عندما تقتضي الضرورة وتستدعي المصلحة العامة ذلك.*
*فالأصل أن الاستثناء ليس خروجاً على القاعدة بل هو امتداد مضبوط لها يُفعل في أضيق الحدود وبما لا يمس جوهر النظام القانوني ويظل دائماً محكوماً بروح الشرعية وغاياتها.*
*أما ” الإقصاء ” فهو في جوهره توجه أو ممارسة تقوم على تقليص حضور الآخر أو نفيه خارج مقتضى القانون والضرورة وغالباً ما ينفلت من الضوابط الدستورية التي تُقيد السلطة فيتحول من إجراء عارض إلى نهجٍ سياسي متكرر أو دائم بما يهدد مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والشراكة الوطنية.*
*غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ وجود الاستثناء وإنما في طريقة توظيفه واتساع دائرته خارج مقصده الأصلي فحين يُستخدم الاستثناء في حدوده المشروعة يصبح أداة لتنظيم الواقع ومعالجة الظروف الخاصة أما حين يتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجال العام على أساس الانتقاء أو الإقصاء أو الاصطفاء فإنه يفقد طبيعته الاستثنائية ويبدأ في التماس مع تعطيل روح القانون لا مجرد تطبيقه.*
*ومن هنا فإن جوهر النقاش لا يتعلق بإنكار الاستثناء أو التشكيك في مشروعيته من حيث المبدأ وإنما في ضبطه بالضوابط الدستورية التي تحكمه حتى يظل خادماً للعدالة والمصلحة العامة لا أداة لإعادة إنتاج الاستبعاد أو تقليص دائرة المشاركة الوطنية.*
*فالقانون لا يصادر الاستثناء لكنه يحرس حدوده ويمنع انزلاقه من كونه تدبيراً ضرورياً إلى كونه ممارسة دائمة أو منهجاً مستمراً.*
*وبذلك يظل المعيار الحاكم هو معيار المشروعية والغاية التي شُرع من أجلها الاستثناء لا مجرد قبوله أو رفضه في الخطاب السياسي أو الرأي العام لأن قوة القانون لا تُقاس بالانطباعات وإنما بمدى اتساقه مع روحه ومقاصده العليا في تحقيق العدالة وصون التوازن العام.*
*وفيما يلي نص المقال المشار إليه كما ورد*
بسم الله الرحمن الرحيم
13 يونيو 2026م
بشارة جمعة أرور
منطق ” ما عدا ” إلى أين يقود الوطن ؟!
___________________
” حين يتحول الإقصاء إلى نهجٍ سياسي وتسود سياسة الاستبعاد ويتراجع منطق الشراكة الوطنية أمام حسابات الإقصاء ويتعثر بناء التوافق الوطني في مواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات صناعة المستقبل.
يفرض السؤال الجوهري والمحوري نفسه بإلحاح: إلى أين يقود منطق ” ما عدا ” ؟ وأي وطن يمكن أن يجمع أبناءه ويبقى موحداً إذا استحكمت فيه سياسات الإقصاء واتسعت دوائر الاستبعاد التي كادت تشمل الجميع وانكمشت في المقابل مساحات التوافق والشراكة الوطنية ؟ وأي مستقبلٍ يمكن أن يُبنى لوطن تتسع فيه دوائر الإقصاء أكثر مما تتسع فيه مساحات التوافق ؟ ”
في ظل هذه الحرب اللعينة المدمرة التي يعيشها السودان وما صاحبها من تصاعد خطابات الكراهية وتنامي الاصطفافات الجهوية والعرقية والسياسية تتجدد الحاجة إلى وقفة وطنية جادة لمراجعة طبيعة الخطاب السياسي السائد ولا سيما ذلك الذي يقوم على منطق الإقصاء والاستبعاد باعتباره مدخلاً للحل بينما أثبتت التجربة أنه مدخل لتعقيد الأزمة لا حلها.
ولقد أصبح من المألوف في الساحة السياسية أن دوائر الإقصاء والاستبعاد اتسعت حتى كادت تشمل الجميع وكأن الأزمة الوطنية لا يمكن معالجتها إلا عبر إعداد قوائم طويلة بمن يجب إقصاؤهم لا عبر البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع السودانيين حول مشروع وطني جامع.
وهكذا يتكرس منطق ” ما عدا زيد وعبيد” إلى الحد الذي يجعل السؤال الحقيقي ليس: من يُراد إقصاؤه ؟ بل من الذي بقي خارج دوائر الإقصاء ليستطيع المساهمة في صناعة السلام وإعادة بناء الوطن والدولة ؟!
وتتجلّى خطورة هذا النهج في سعي بعض القوى السياسية إلى تقديم نفسها بوصفها الممثل الحصري والأوحد للوطن بما يترتب على ذلك من محاولات لاحتكار الحوار والتفاوض وصياغة التفاهمات واتخاذ القرارات نيابة عن بقية الفاعلين من دون تفويض وطني جامع أو توافق واسع.
وقد أثبتت التجارب السودانية السابقة أن أي تسوية تُبنى على مثل هذه الحالات ومعادلات الإقصاء أو ضعف التمثيل والشمول تظل عرضة للهشاشة والتعثر إذ إن غياب المشاركة الواسعة والتوازن بين المكونات الوطنية كان سبباً رئيسياً في إضعاف العديد من الاتفاقات والتفاهمات السياسية وتقويض فرص استدامتها.
وليس بعيداً عن ذلك ما شهدته بعض المبادرات الانتقالية حيث أدى إقصاء مكونات سياسية ومجتمعية مؤثرة إلى إنتاج تسويات قصيرة العمر سرعان ما انهارت أمام أول اختبار جاد لأن أساسها لم يكن شراكة وطنية حقيقية بل تفاهمات جزئية.
إن السودان اليوم يقف على منعطف مصيري خطير ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى توافق وطني واسع يُعلي مصلحة الوطن فوق كل المصالح الضيقة الأمر الذي يستوجب تغليب الحكمة الوطنية والانفتاح على حوار شامل لا يُقصي أحداً بل ينبغي أن يشعر فيه جميع السودانيين بأنهم شركاء في الهم الوطني والمسؤولية المشتركة والمصير الواحد…، إدراكاً بأن أي مشروع لصناعة المستقبل واستدامة السلام والاستقرار لن يُكتب له النجاح ما لم يُؤسس ويُبنى على مشاركة الجميع وتوافقهم حول القضايا الكبرى التي تمس الوطن ومن ثم فإن تجاوز الأزمة الراهنة لا يمكن أن يتحقق عبر منطق الإقصاء أو احتكار الرأي والقرار وإنما من خلال بناء شراكة وطنية حقيقية تستوعب مختلف المكونات السياسية والمجتمعية وتتيح للجميع الإسهام في صناعة مستقبل البلاد على أسس من التوافق والعدالة والاحترام المتبادل.
فالمشكلة لا تكمن في اختلاف الرؤى السياسية فهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات بل تكمن في تحويل هذا الاختلاف إلى مبدأ دائم وثابت للإقصاء بحيث يصبح الانتماء السياسي سبباً للمنع والاستبعاد بغض النظر عن حكم القانون أو إرادة الشعب أو مقتضيات المرحلة الوطنية.
فالدول لا تُدار بمنطق الاستثناءات المتتالية ولا تُبنى على تصنيف المواطنين والقوى السياسية إلى قوائم “مقبولة” وأخرى “مرفوضة”، بل تُدار وتُبنى على أساس المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون والاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحرة وقد أثبتت التجارب بما فيها تجربة ما بعد اتفاقيات السلام في عدد من الدول الخارجة من النزاعات أن أي تسوية تُبنى على الإقصاء لا تُنتج إلا سلاماً هشاً سرعان ما يتآكل تحت ضغوط الواقع.
وفي السودان تحديداً فإن استمرار هذا النهج المتكلس القائم على الإقصاء والاستبعاد وتغليب المصالح الذاتية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا لم يعد قادراً على إنتاج حلول حقيقية أو الاستجابة لمتطلبات المرحلة بل إن الإصرار عليه لن يقود إلا إلى تعميق الانقسام الوطني وتوسيع فجوة انعدام الثقة بين المكونات السياسية والمجتمعية وإعادة إنتاج الأزمات في صور أكثر تعقيداً بما يهدد فرص السلام المستدام ويجعل الوصول إليه أكثر كلفة كلما تأخر تحقيقه.
وفي المقابل فإن الطريق نحو الاستقرار يمر عبر توسيع دوائر المشاركة وتعزيز الحوار الوطني الجاد وتقديم منطق التوافق على منطق الغلبة والاستبعاد وقد برهنت التجارب السودانية ذاتها في لحظات تاريخية سابقة أن السودانيين حين يجتمعون على طاولة واحدة بعيداً عن الإقصاء يكونون أكثر قدرة على ابتكار حلول تحفظ وحدة البلاد وتوازنها فعلى سبيل المثال: أظهرت بعض التجارب المحلية في مبادرات الصلح الأهلي في دارفور والنيل الأزرق أن إشراك الإدارات الأهلية والقوى المجتمعية والفاعلين السياسيين المحليين كان عاملاً حاسماً في وقف النزاعات وبناء تفاهمات مستقرة نسبياً مقارنة بالحلول المفروضة من الخارج أو من فوق.
كما أن تجربة بعض الاتفاقات الانتقالية السابقة في الخرطوم أكدت لاحقاً أن أي مسار لا يضم الأطراف الرئيسية المؤثرة على الأرض لا يمكن أن يستمر أو يصمد طويلاً مهما بدت مخرجاته في لحظته الأولى جذابة أو واعدة وتأملوا التجارب السابقة التي أثبتت ذلك ودونكم نماذج من الاتفاقات التي انهارت لاحقاً.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى تكوين آليات واضحة للتوافق الوطني تقوم على عقد مؤتمر قومي جامع يضم جميع المكونات السياسية والمجتمعية دون استثناء وإطلاق حوار وطني حقيقي غير مشروط يضع القضايا الجوهرية في صلب أولوياته لا مسألة تقاسم السلطة والثروة فحسب إلى جانب وضع ضمانات لمشاركة عادلة تكفل عدم احتكار القرار السياسي من أي طرف وتأسيس مرجعية انتقالية توافقية تُدار بروح الشراكة لا الغلبة.
إن مستقبل السودان لا يُصنع ولا يُبنى بمنطق ” ما عدا ” وإنما بمنطق ” السودان أولاً ” ولا سبيل لبناء وطن ودولة مستقرة إلا بتقديم المصلحة الوطنية العليا على ما سواها بحيث تكون الحقوق والواجبات الدستورية وسيادة حكم القانون والإرادة الشعبية الحرة هي الفيصل لا قوائم الإقصاء والاستبعاد وبذلك فقط يمكن تحويل التنوع السياسي والاجتماعي من مصدر صراع وأداة تفكيك إلى مصدر قوة وأساس متين لبناء دولة مستقرة وعادلة تتسع لجميع أبنائها دون استثناء.








