موسى داؤد يكتب :حين يُحاكم السودان بدخانٍ لا بدليل
التقرير الكيميائي… بين رهبة الاتهام وقداسة الحقيقة

ليس كلُّ دخانٍ ناراً، ولا كلُّ ظنٍّ حقيقة. وفي زمن الحرب، قد تكون الكلمة أخطر من الرصاصة؛ فالرصاصة تصيب جسداً، أما الخبر إذا سبق الدليل فقد يصيب وطناً في سمعته وأمنه ومستقبل أبنائه.
من هنا، فإن ما أُثير حول استخدام أسلحة كيميائية في السودان ليس خبراً عابراً، ولا اتهاماً يجوز أن يمرّ في عاصفة الأخبار دون تمحيص.
نشرت واشنطن بوست تقريراً تحدث عن مؤشرات على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية واستخدام ذخائر يُعتقد أنها محشوة بالكلور. وهو اتهام بالغ الخطورة، لا يكفي فيه العنوان، ولا تحسمه الصورة، ولا يتحول إلى حقيقة بمجرد تداوله.
فأين الدليل المادي الذي يمكن فحصه والتحقق منه بصورة مستقلة؟
أين العينات، والسجلات الطبية، وآثار المادة الكيميائية، والتحقيقات التي تستطيع أن تضع أمام العالم حقيقة لا يداخلها شك؟
هذه هي القاعدة التي لا ينبغي أن تتغير: المؤشر ليس دليلاً، والاحتمال ليس يقيناً، والتقدير لا يغني عن البرهان العلمي.
ولا يعني ذلك إنكاراً مسبقاً أو تبرئة لأحد؛ بل يعني أن الاتهام، مهما كان خطيراً، يجب أن يبقى في موضعه الصحيح حتى تقول الأدلة كلمتها.
فإن ثبت استخدام السلاح الكيميائي، فليكن القانون فوق الجميع، وليحاسَب كل من تثبت مسؤوليته. وإن لم تثبت الواقعة، فمن حق الشعب السوداني أن يعرف أن ما أُثير لم يتجاوز حدود الاشتباه أو التقدير.
إلى الشعب السوداني
أيها السودانيون…
لقد أثقلتكم الحرب بما يكفي، فلا تجعلوا من كل عنوان جديد جرحاً آخر، ولا تسمحوا للخوف أن يسبق الحقيقة.
السودان لا يخشى الحقيقة، وإنما يخشى أن تُصنع له حقيقة من الخوف.
فدعوا الأدلة تتحدث، والمختبرات تفصل، والخبراء يتحققون، والقانون يحكم.
قد يعلو صوت الاتهام، وقد يملأ الدخان سماء المشهد، لكن الحقيقة لا تحتاج إلى دخان كي تُرى؛ إنها تحتاج إلى دليل.
وفي قضية تمس سمعة وطن ومصير شعب، تبقى الكلمة أمانة، والصحافة مسؤولية، والحقيقة ميزاناً لا يميل.
فلا إدانة بلا دليل، ولا تبرئة بلا تحقيق، ولا حقيقة فوق الحقيقة.
السودان فوق الرواية، وفوق الضجيج، وفوق كل اتهام لا يسنده برهان.








