د. عبد الناصر سلم حامد يكتب : 26 سبتمبر.. خفايا العبور ومعركة الخرطوم (2-2)
الجزء الثاني من سلاح الإشارة والقيادة العامة إلى المدرعات والقصر الجمهوري.. كيف اكتملت سلسلة الالتحامات وتغيرت خريطة العاصمة؟

لم يعد الجسر هو القصة؛ القصة أصبحت ما فتحه الجسر خلفه.
فما حدث بين الحلفايا والكدرو، ثم في الطريق جنوبًا عبر بحري وصولًا إلى سلاح الإشارة والقيادة العامة، لم يكن مجرد انتقال للسيطرة من حي إلى آخر. الأهم كان أن قوات ظلت لفترة طويلة موزعة في مواقع متباعدة بدأت تتصل ببعضها، وأن الفجوات التي فصلت بينها أخذت تضيق. وهنا انتقلت معركة الخرطوم إلى مرحلة أخرى.
إذا رُويت الأحداث يومًا بيوم، فقد تبدو كسلسلة طويلة من أسماء الأحياء والشوارع: الحلفايا، الكدرو، الدروشاب، شمبات، المعونة، سلاح الإشارة، القيادة العامة. لكن وضع هذه المواقع على الخريطة يكشف قصة مختلفة. كانت هناك قوات متباعدة، وبينها مساحات واسعة تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو يدور فيها القتال. ومع مرور الوقت بدأت تلك المساحات تضيق، ثم بدأت القوات تلتقي.
ولم تتوقف القصة عند بحري.
ففي جنوب الخرطوم كان سلاح المدرعات في الشجرة يخوض معركته الخاصة. وظل هذا الموقع واحدًا من أهم نقاط وجود الجيش جنوب العاصمة، في وقت كانت فيه مناطق واسعة تفصله عن قوات القيادة العامة في وسط الخرطوم. لذلك كان أي تقدم للمدرعات شمالًا يحمل المعنى نفسه الذي حمله تقدم قوات بحري جنوبًا: تقليص المسافة بين قوتين منفصلتين وفتح طريق جديد للحركة والإمداد.
ومع بداية مارس 2025 تحركت قوات المدرعات شمالًا وشرقًا، وسيطرت، وفق بيانات الجيش وتقارير ميدانية، على مناطق في الخرطوم 2 والخرطوم 3 ومحيط جسر المسلمية وأبراج النيلين. ومع كل تقدم كانت المسافة بينها وبين القوات الموجودة في القيادة العامة تتقلص.
وفي 17 مارس أعلن الجيش التحام قوات المدرعات بقواته في القيادة العامة. وبذلك اكتملت حلقة أخرى من حلقات الاتصال داخل العاصمة: كما جاءت قوات شمال بحري من الشمال نحو القيادة، وصلت قوات المدرعات إليها من الجنوب.
هذه التحركات لا تعني أن قوات الدعم السريع انهارت دفعة واحدة. ففي حروب المدن يمكن للقوة أن تفقد شارعًا وتعيد تنظيم دفاعاتها في شارع آخر، أو تنسحب من حي إلى منطقة أكثر ملاءمة للقتال. لكن المشكلة تبدأ عندما تتراكم الخسائر الجغرافية: طريق يُفقد هنا، مركز قيادة ينتقل هناك، سلاح ثقيل يُسحب إلى الخلف، والمساحات المتاحة للمناورة تصبح أضيق. عندها لا تعود خسارة الأرض مجرد تغير في لون الخريطة، بل تؤثر في طريقة إدارة المعركة نفسها.
أما الخسائر البشرية، وخصوصًا خلال معارك بحري، فهي من أكثر الملفات التي تحتاج إلى الحذر. وقد تحدثت إلى مصادر على صلة بالميدان قدمت لي تقديرات لأعداد قتلى الدعم السريع خلال مراحل مختلفة من المعارك، لكنني أتحفظ عن نشر تلك الأرقام لأنني لم أتمكن من مطابقتها مع إحصاء مستقل أو مصادر محايدة. وما يمكن قوله بدرجة أكبر من الثقة هو أن القتال أوقع خسائر بشرية، وترافق مع انسحابات من مواقع وتغير في خطوط الانتشار وفقدان طرق ومناطق كانت مهمة للحركة داخل العاصمة. وفي مادة صحفية كهذه، يبقى الرقم الذي لا يمكن التحقق منه أقل قيمة من واقعة يمكن تتبعها على الأرض.
وبعد أربعة أيام فقط من التحام المدرعات بالقيادة العامة، انتقلت المعركة إلى واحد من أكثر المواقع رمزية في الخرطوم.
في 21 مارس أعلن الجيش السيطرة على القصر الجمهوري في قلب العاصمة بعد معارك عنيفة، فيما استمر القتال في المناطق المحيطة. لم تكن أهمية القصر مرتبطة بموقعه السياسي والرمزي فقط؛ فالمعركة كانت قد وصلت في تلك المرحلة إلى قلب الخرطوم، بعدما بدأت قبل أشهر بمحاولة فتح طريق من أقصى شمال بحري.
وبعد السيطرة على القصر اتسعت سيطرة الجيش على مواقع أخرى في وسط العاصمة. وبحلول 26 مارس كانت قوات الدعم السريع قد فقدت معظم مواقعها في وسط الخرطوم، بينما وصل عبد الفتاح البرهان جوًا إلى مطار الخرطوم وتفقد عددًا من المواقع.
لم تكن الحرب قد انتهت بالطبع، ولم يكن فقدان الدعم السريع معظم مواقعه في الخرطوم يعني نهاية قدرته العسكرية في السودان، خصوصًا مع استمرار الحرب في مناطق أخرى من البلاد. لكنه كان يعني شيئًا محددًا يمكن رؤيته على الخريطة: العاصمة التي ظل الطرفان يتقاسمان مساحات واسعة منها لفترة طويلة تغيرت صورتها بصورة كبيرة.
وكان للمشهد وجه سياسي أيضًا. ففي اليوم الذي بدأت فيه عملية 26 سبتمبر كان البرهان موجودًا في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى في اليوم نفسه خطابًا تناول فيه الحرب وشروط الوصول إلى السلام. رأى بعض المحللين في التزامن رسالة سياسية، لكن لا توجد وثيقة علنية تثبت أن توقيت العملية اختير لهذا الغرض. الثابت فقط أن المعركة كانت تتحرك على الأرض في اللحظة نفسها التي كان فيها الملف السوداني حاضرًا في نيويورك. وفي حرب طويلة كهذه، يصعب فصل الميدان تمامًا عن السياسة؛ فما يحدث على الأرض يغير بطبيعته أوراق الأطراف ومواقعها في أي مسار تفاوضي.
بعد ستة أشهر من صباح الحلفايا، تبدو الصورة أوضح مما كانت عليه في ذلك اليوم. لم يحسم 26 سبتمبر وحده معركة الخرطوم، ولم يكن عبور الحلفايا سببًا منفردًا لكل ما حدث بعده. ولا توجد وثيقة منشورة تقول إن كل هذه التحركات كانت منذ البداية مراحل لخطة واحدة تمتد حتى مارس.
لكن تسلسل الأحداث على الأرض يرسم مسارًا يمكن تتبعه: الحلفايا والكدرو أولًا، ثم التقدم داخل بحري، ثم سلاح الإشارة والقيادة العامة، وبعدها وصول المدرعات من الجنوب، قبل انتقال المعركة إلى القصر الجمهوري ووسط الخرطوم.
ولهذا يبقى السادس والعشرون من سبتمبر أكبر من مجرد ذكرى لعبور جسر. ففي ذلك الصباح كان السؤال كيف يمكن للقوات الموجودة في شمال بحري أن تتصل ببقية المحاور. وبعد ستة أشهر، كانت الفواصل التي قسمت مواقع الجيش داخل العاصمة قد تقلصت واحدة بعد أخرى، وتغيرت معها خريطة المعركة.
ومن الحلفايا إلى الكدرو، ومن شمبات إلى سلاح الإشارة والقيادة العامة، ثم من المدرعات إلى قلب الخرطوم، يمكن اختصار الحكاية كلها في جملة واحدة:
قوة وصلت إلى قوة، وحين اتصلت المحاور تغيرت الخريطة








