موسى داؤد يكتب : حين يصبح الانحناء لغة السلطة

حين تصبح السلطة حكرًا على قِلّة، ويغدو القانون حارسًا لمصالحهم بدل أن يكون ميزانًا للعدل، لا يعود السؤال: مَن يحكم؟
بل يصبح السؤال الأشد وجعًا: لِمَن وُجد الحكم أصلًا؟
أيها السادة…
إن أخطر ما يصيب الوطن ليس أن يخطئ الحاكم، وإنما أن يتحول الخطأ إلى نظام، والنفاق إلى وسيلةٍ للترقي، والولاء للأشخاص إلى معيارٍ للكفاءة، والصمت إلى ثمنٍ للنجاة.
حين يُقصى الشريف لأنه قال الحقيقة، ويُهمَّش الكفء لأنه رفض الانحناء، ويُقرَّب المتملق لأنه أتقن التصفيق، فاعلموا أن الخلل لم يعد في الأشخاص وحدهم؛ لقد اختلَّ ميزان الدولة.
فالسلطة أمانة، لا غنيمة.
والمنصب تكليف، لا تشريف.
والقانون عهد، لا سيفٌ على الضعفاء ودرعٌ للأقوياء.
والوطن أكبر من الحاكم، وأبقى من الكرسي، وأقدس من الأشخاص.
وليس الشجاع من يرفع صوته على الضعفاء، بل من يقول الحقيقة حين يكون الصمت أكثر أمانًا.
وليس الوطني من يهتف للأشخاص، بل من يضع الوطن فوق الأشخاص، والحق فوق المصالح، والقانون فوق الجميع.
فالكراسي زائلة، والأسماء عابرة، والسلطة امتحان؛ أما الوطن فهو الحقيقة التي تبقى.
فلا تجعلوا الانحناء طريقًا إلى الصدارة، ولا التملق جوازًا إلى السلطة، ولا الصمت شرطًا للمواطنة.
إن الوطن لا يحتاج إلى رجالٍ يجيدون الانحناء أمام السلطة، بل إلى رجالٍ يقفون حين ينحني الآخرون، ويقولون الحق حين يصمت الآخرون، ويحملون الوطن فوق أكتافهم حين يثقل حمله.
فالكرامة لا تُورَّث من الكراسي، والوطن لا يُبنى بالتصفيق… وإنما بالحق، والعدل، ورجالٍ لا يبيعون ضمائرهم.








