رأي

عبد اللطيف الطاهر تور كبير يكتب : برنامج كشف وجرد حساب للاستثمارات الأجنبية في السودان الحلقة 48: أهمية العلاقات السودانية المصرية من إطار ثقافي اجتماعي

تظل العلاقات السودانية المصرية واحدة من أعرق وأعمق العلاقات في المنطقة والعالم، فهي ليست مجرد علاقات دبلوماسية عابرة، بل هي علاقة تاريخ ومصير مشترك، جذورها ضاربة في عمق حضارة وادي النيل التي علمت العالم معنى الدولة.

أولاً: الإطار الثقافي.. حضارة واحدة بجذور مشتركة

عندما نتحدث عن الثقافة، فإننا نتحدث عن أهرامات الجيزة في مصر وأهرامات مروي والبجراوية في السودان، نتحدث عن حضارة واحدة قسمت الجغرافيا لكن لم تقسمها الروح. الثقافة السودانية والمصرية متداخلة بشكل لا يمكن فصله، من الموسيقى إلى الدراما إلى الفن التشكيلي إلى الأدب.

اليوم، توجد في مصر أكثر من أربعة ملايين سوداني، هؤلاء ليسوا مجرد لاجئين، بل هم جسر ثقافي حي، ينقلون العادات والتقاليد السودانية الأصيلة إلى قلب القاهرة، وينقلون التجربة المصرية إلى السودان. هذا التبادل الثقافي هو في حد ذاته استثمار، استثمار في الإنسان.

إن المستثمر الأجنبي عندما يرى هذا التقارب الثقافي يطمئن، لأن الثقافة المشتركة تعني سهولة التفاهم، وسهولة التفاهم تعني سهولة إنجاز الأعمال. ويمكن تحويل هذا الرصيد إلى مشاريع حقيقية: مهرجانات ثقافية مشتركة، سياحة نيلية بين أسوان وحلفا، صناعات إبداعية، وتبادل طلابي وأكاديمي يخلق جيلاً يؤمن بالتكامل.

ثانياً: الإطار الاجتماعي.. شعب واحد في بلدين

أما على الصعيد الاجتماعي، فالعلاقة أعمق. كم من أسرة سودانية مصرية مشتركة؟ كم من مصاهرة ونسب تربط الشعبين؟ الشعب المصري الأصيل فتح بيوته وقلبه للسودانيين وقت الحرب، وهذا الموقف لن ينساه السودانيون أبداً، وهو رصيد اجتماعي لا يقدر بثمن.

الثقة الاجتماعية هي العملة الصعبة للاستثمار. المستثمر لا يضع أمواله في مكان لا يشعر فيه بالأمان الاجتماعي. والعلاقة السودانية المصرية توفر هذه الثقة بشكل تلقائي. السوداني في مصر يشعر أنه في بلده، والمصري في السودان كان وما زال مرحباً به كأخ وليس كأجنبي.

لقد أثبتت الجالية السودانية في مصر أنها جالية منتجة، تعمل في كل المجالات، تحترم القانون المصري، وتساهم في الاقتصاد المصري، وهذا يعكس أصالة الإنسان السوداني.

الخلاصة ورسالتنا

إننا في منصة صوت الحق نؤكد أن المدخل الحقيقي لجذب الاستثمارات الأجنبية، وخاصة المصرية إلى السودان، ليس فقط بتقديم التسهيلات الورقية، بل بالبناء على هذا الرصيد الثقافي والاجتماعي الضخم.

نحن لا ندعو لاستثمار أجنبي يستنزف الموارد، بل ندعو لشراكة استراتيجية حقيقية، شراكة ثقافية واجتماعية قبل أن تكون اقتصادية، شراكة تحترم سيادة البلدين وتحقق المنفعة المتبادلة.

العلاقات السودانية المصرية هي صمام الأمان للمنطقة، وإذا صلحت هذه العلاقة ثقافياً واجتماعياً، صلح معها كل شيء، وجاء الاستثمار من تلقاء نفسه.

تحيا مصر.. ويحيا السودان.. وجيش واحد وشعب واحد في البلدين.
القاهرة..
السبت الموافق
3/10/2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى