معز محمد.. يكتب : فيصل أبوالقاسم الطيب.. حين يرحل الذين يعملون في صمت

فيصل أبوالقاسم الطيب.. حين يرحل الذين يعملون في صمت
معز محمد.. يكتب : فيصل أبوالقاسم الطيب.. حين يرحل الذين يعملون في صمت
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى رحيل الإعلامي فيصل أبوالقاسم الطيب، الذي غادر دنيانا تاركًا وراءه سيرة عطرة، وذكرى طيبة، وأثرًا إنسانيًا ومهنيًا في نفوس كل من عرفوه وعملوا معه.
لم يكن فيصل من الذين يبحثون عن الأضواء أو يسعون إلى الظهور، بل كان رجلًا يعمل في صمت، ويتحرك بهدوء، ويؤدي مهامه بكفاءة وتفانٍ، مستندًا إلى خبرة مهنية وحس إنساني رفيع، وأخلاق كريمة جعلت منه موضع محبة وتقدير بين زملائه وأصدقائه.
كان يمتلك تلك الصفات التي لا تصنعها المناصب ولا تمنحها الأضواء؛ طيب المعشر، دمث الخلق، كريم النفس، هادئ الحضور، عميق الأثر. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يترك في النفوس ما هو أبقى من الكلمات.
التقيته قبل سنوات، برفقة الأخ العزيز وليد بسيوني، في مقر إذاعة الحياة، التي كان يتولى إدارتها، بمنطقة العمارات، شارع 15. جمعتنا جلسة عابرة، تبادلنا خلالها أطراف الحديث، لكن ملامح فيصل وابتسامته الهادئة بقيتا عالقتين بالذاكرة. كانت في عينيه كلمات لا تحتاج إلى أن تُقال، وفي حضوره بساطة ووقار يعكسان معدنًا أصيلًا وإنسانًا يعرف قيمة الناس.
لم تكن تلك المعرفة مجرد لقاء عابر، بل ذكرى تستعيد اليوم معناها في لحظة الفقد. فقد كان فيصل أكثر من زميل في الوسط الإعلامي؛ كان أخًا وصديقًا، ورجلًا تجتمع فيه المروءة والتواضع ونبل الخصال.
مهنيًا، امتلك الراحل خبرة وتجربة أهّلتاه للعمل في المساحات التي تتطلب الحكمة وحسن التقدير والشعور بالمسؤولية. كان يؤمن بأن نجاح العمل لا يرتبط دائمًا بحجم الظهور، وأن هناك رجالًا يصنعون الفارق بعيدًا عن الكاميرات، ويؤدون أدوارهم بإخلاص دون انتظار الإشادة أو الثناء.
رحل فيصل أبوالقاسم الطيب، وبقيت سيرته شاهدًا على أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمساحة حضوره أمام الناس، بل بمقدار ما يتركه من أثر طيب في حياتهم.
آخر الرسائل.. ووجع الرحيل
ومن أكثر ما يوجع القلب أن آخر ما وصلني من الراحل كان رسالة عبر تطبيق واتساب، فجر يوم رحيله، تحمل دعاءً يفيض بالرجاء والتضرع إلى الله، اختتمه بعبارة «صباح مبارك».
كتب فيصل في رسالته:
«اللهم إنا ببابك نقف فلا تردنا، وإياك نسأل فلا تخيبنا، اللهم ارحم تضرعنا، وآمن خوفنا، وتقبل أعمالنا، وأصلح أحوالنا، واجبر خواطرنا.. صباح مبارك».
لم نكن نعلم أن تلك الكلمات ستكون آخر ما يصلنا منه، وأن الصباح الذي استهلّه بالدعاء سيكون بداية يوم الوداع. سبحان الله، ما أقسى أن تتحول رسالة عادية في لحظتها إلى ذكرى لا تُنسى، وما أعمق الوجع حين نعود إلى كلمات الراحل بعد غيابه، فنقرأها بقلوب مختلفة، ونشعر أن صاحبها أصبح ذكرى نسأل الله أن يحفظها في وجداننا.
رحل فيصل، وبقي دعاؤه الأخير حاضرًا في الذاكرة، كأنما ترك لنا كلمات نرددها ونحن نودعه، ونسأل الله الذي وقف ببابه راجيًا رحمته أن يكرمه برحمته الواسعة ومغفرته ورضوانه.
وما أصعب الرحيل حين يأتي على حين غرة، وما أعجز الكلمات حين يكون الفقد أكبر من قدرتها على التعبير.
نعزي أنفسنا وأسرة إذاعة الحياة، والأسرة الإعلامية السودانية، وكل زملائه وأصدقائه ومحبيه، في هذا المصاب الأليم، سائلين الله أن يجبر القلوب المنكسرة، وأن يلهم أهله وذويه الصبر وحسن العزاء.
اللهم ارحم عبدك فيصل أبوالقاسم الطيب، واغفر له، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل ما قدمه من خير، وما عُرف عنه من طيب الخلق وحسن المعشر، في ميزان حسناته. اللهم أنزله منازل الصالحين، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وبارك في أهله وذويه، واربط على قلوبهم، وألهمهم الصبر والسلوان.
وداعًا فيصل.. رحلت في هدوء كما عشت، وتركت لنا آخر كلماتك دعاءً، وذكراك أثرًا طيبًا لا يرحل
إنا لله وإنا إليه راجعون








