موسى داؤد يكتب : حين تستعير الخوارزميات صوت الشعوب الزخم الرقمي المصطنع.. حين يتوارى صوت الحقيقة خلف ضجيج الحسابات

ليس كلُّ صخبٍ صوتَ شعب، ولا كلُّ ازدحامٍ على منصات التواصل شاهدَ إجماع؛ فكم من حقيقةٍ خافتةٍ حجبتها ضوضاء مفتعلة، وكم من رأيٍ محدودٍ أُلبس ثوب الأكثرية، حتى خُيِّل للناظر أن الجماهير قالت كلمتها، وما قالت إلا الخوارزميات صداها!
في زمنٍ غدت فيه المنصات الرقمية ساحاتٍ لتشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام، لم يعد التضليل بحاجةٍ إلى حشودٍ من البشر؛ فقد تكفي عشرات الحسابات لتصنع من التكرار كثرة، ومن التزامن زحاماً، ومن الصدى صوتاً يوهم الناظر بأن وراءه أمةً بأسرها.
ووفقاً لتحليل الباحث يوسف كامل الأمين بشأن وسم «أختانا» على منصة X، فقد أظهرت البيانات التي أوردها مؤشراتٍ على نشاط منسق تقوده خلية تضم 45 حساباً، استحوذت، بحسب التحليل، على نحو 85% من التفاعل خلال ساعات الذروة، و36% من إجمالي النشاط المرصود. كما كشف التحليل عن أنماط متكررة من إعادة النشر المتزامن، بفواصل زمنية متقاربة، بما يثير تساؤلاتٍ جدية حول طبيعة النشاط وآليات إدارته.
وليست العبرة في هذه الأرقام وحدها، بل فيما وراءها من دلالات؛ إذ قد يُصنع الانطباع بالكثرة دون أن تكون الكثرة حقيقية، وقد يُمنح الرأي المحدود مظهر الإجماع، حتى يصبح المتلقي أسير صورةٍ لا تعكس بالضرورة حقيقة المشهد.
وهنا مكمن الخطر: حين لا تعود المنصات مرآةً لما يفكر فيه الناس، بل تصبح أدواتٍ لصناعة ما يُراد للناس أن يظنوه.
غير أن الإنصاف، وهو ميزان الصحافة النزيهة، يقتضي التمييز بين المؤشرات والحقائق المثبتة، وبين الاشتباه والإدانة؛ فالتزامن قرينة تستحق التحقيق، لكنه لا يكفي وحده للجزم بهوية الجهة المشغلة أو دوافعها، كما أن ظهور حسابات أشخاص حقيقيين ضمن مسارات إعادة النشر لا يعني بالضرورة علمهم بأي نشاط منسق.
إن معركة الوعي لا تُحسم بكثرة المنشورات، ولا تُقاس الحقيقة بعدد مرات تكرارها؛ وإنما تُحسم بسلامة الدليل، ونزاهة المعلومة، وقدرة الإنسان على أن يُعمل عقله حيث يُراد لعاطفته أن تستسلم.
فما أقسى أن يُستعار صوت الشعب ليُقال به ما لم يقله، وما أخطر أن تتوارى الحقيقة خلف ستارٍ من الضجيج، حتى يصبح الوهم أكثر حضوراً من الواقع!
ولذلك، فإن مسؤولية الصحافة اليوم ليست أن تُحصي الأصوات فحسب، بل أن تميّز الصوت من صداه، والحقيقة من صورتها المصنوعة، وأن تردَّ إلى الوعي حقَّه في النظر والتدبر، بعيداً عن سطوة التكرار وإغراء الأرقام.
فالشعوب لا تُختزل في مؤشرات التفاعل، وإرادتها لا تُصنع ببرامج النشر، والحقيقة، مهما علا فوقها الضجيج، تظل محتفظةً بحقها في الظهور.
وحين تستعير الخوارزميات صوت الشعوب، لا تكون الخسارة في تضليل الأرقام وحدها، بل في محاولة مصادرة وعي الإنسان؛ ذلك الوعي الذي لا ينبغي أن ينحني لضجيجٍ مصطنع، ولا أن يتخذ من كثرة الصدى دليلاً على صدق الصوت.








