رأي

منتصف الطريق…استيفن لوال

البرلماني استيفن لوال يكتب

منتصف الطريق(9)

 

بين السياسة والإعلام “رحلتي في الدائرة الجهنمية مع السفيرة نجوى قدح الدم”

 

في مطلع عام 2015 تلقيت اتصالاً هاتفياً يحمل رقماً خاص بالنمسا كان هذا الرقم لاحقاً سيصبح مفتاحاً للقاء شخصية استثنائية لم أكن أُدرك قيمتها حينها. على الطرف الآخر من الخط كانت السفيرة نجوى عباس أحمد محمد قدح الدم المقيمة في المانيا . لم أكن أعلم الكثير عنها في تلك اللحظة بل كنت أعتقدها مجرد صحفية بسيطة لا شيء في حديثها يوحي بمكانتها البارزة. تواضعها كان مذهلاً وسهولة تعاملها جعلتني أشعر وكأنني أتحدث إلى صديقة قديمة.

 

في تلك الفترة كانت الخرطوم تضج بأخبار وفد أوغندي يزور البلاد في إطار تحسن العلاقات الثنائية. لم أُفاجأ بوجودها ضمن الوفد، فقد كنت أظنها واحدة من الصحفيين الذين يرافقون مثل هذه الوفود. وما عزز تصوري هذا أنها لم تكن محاطة بحراسة مشددة كما هو حال الشخصيات المهمة.

 

خلال محادثاتنا الأولى تركزت أسئلتها حول أوضاع الجنوبيين في “نقاط المغادرة” وهي معسكرات العودة الطوعية المنتشرة في أنحاء الخرطوم من أم درمان إلى بحري شرق النيل وحتى جنوب الخرطوم وجبل أولياء. تحدثت لها عن المعاناة اليومية التي يعيشها هؤلاء عن انقطاع السبل وقلة الموارد وعن الجهود التي كنا نبذلها عبر “الهيئة القومية لدعم السلام” لتوفير الدعم والمساعدة. كنت أجد في حديثي معها تفهماً عميقاً واهتماماً صادقاً وكأن معاناة شعبي أصبحت همها الشخصي.

 

في أواخر عام 2016 جاء اللقاء الأول وجهاً لوجه. كانت المناسبة في فندق برج الفاتح بالخرطوم. شعرت حينها بأن صوتها عبر الهاتف لم يكن يعكس سوى جزء بسيط من شخصيتها الحقيقية. كان اللقاء بعد سلسلة من مشاركاتي الإعلامية التي كنت أتناول خلالها قضايا الجنوبيين العالقين وكنت أتحدث فيها عن دور الحكومة السودانية والمنظمات الإنسانية في محاولة حلحلة أزمتهم.

 

في تلك الجلسة تطرقت نقاشاتنا إلى موضوعات مختلفة. ذكرت لها تجربتي في البرامج الحوارية التي استضافتني مثل “بانوراما” على قناة روسيا اليوم حيث ناقشنا زيارة نيكي هيلي إلى جوبا ولقاءها بالرئيس سلفاكير ميارديت. لا تزال في ذاكرتي تلك الحلقة التي شاركني فيها الراحل الدكتور هاني رسلان وهو رجل ذو رؤية ثاقبة ونقاش عميق.

 

أما الحلقة الأخرى التي لا أنساها فكانت عبر قناة الجزيرة في برنامج “ما وراء الخبر” مع الإعلامية غادة عويس. كان النقاش حول أسباب تفجر الصراع في جنوب السودان عام 2016 وتأثيره على الدولة الوليدة. جمعني الحوار بالمهندس فاروق قاركوث والدكتور عبدالوهاب الأفندي. كانت تلك تجربة إعلامية مميزة و شعرت فيها بأهمية الصوت تحسين صوتي ومراجعه توجهاتي .

 

بعد كل ظهور إعلامي لي كانت السفيرة نجوى تتصل بي لتبادل الآراء. كانت دائماً مشجعة تبث الثقة في نفسي بقولها: “يا أخي أنت تتحدث بحياد وبأسلوب قيادي. واصل على هذا النهج فأنت مؤهل لتكون وزيراً للإعلام في جنوب السودان يوماً ما أو حتى أكثر من ذلك.” كنت أضحك على كلماتها وأتذكر صديقي القديم مولانا يويو الذي كان يقول لي الشيء ذاته: “ستكون ذا شأن يوماً لأنك شاطر.”

 

وفي إحدى المحادثات طرحت عليها سؤالي عن الدكتور لام أكول وعن أسلوبه السياسي الذي وصفته بـ”المدمر لوحدة التحالفات”. أجابتني بصراحة أن التعامل مع لام أكول ليس بالأمر السهل فهو ضبابي في مواقفه ويعيش حالة دائمة من الترقب. وأضافت قائلة: “إذا تفوقتم عليه سياسياً فتوقعوا أن يرد بعمل مضاد، وهذا ما أكده الدكتور كاستيلو قرنق في إحدى إجابات أسئلتي عن تلك العبقرية السياسية.”

 

كلماتها كانت دائماً تحمل نبرة تحذير مشوبة بالإعجاب!!

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى