بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :الدكتور جعفر بن عوف.. رمز من رموز صحة الأطفال في السودان

يُعد الحديث عن رموز الإنجاز والنجاح في أي بلد من أبرز الوسائل التي تُعزز من روح الإلهام والتقدير، وتساهم في نقل تجارب النجاح للأجيال القادمة. وفي هذا السياق، يأتي الحديث عن البروفيسور الراحل جعفر بن عوف، أحد أعلام الطب في السودان، ليكون بمثابة اعتراف بمساهماته الجليلة في تطوير القطاع الصحي في البلاد حيث تميزت مسيرته بتفانٍ وإبداع لا نظير له، جعل من عمله في مجال طب الأطفال نموذجًا يحتذى به في التفاني والعطاء. وفي هذا المقال، سنستعرض سريعا جوانب من سيرة هذا الرمز الطبي الذي ترك بصمة واضحة في حياة العديد من الأطفال وعائلاتهم في محاولة لتسليط الضوء على بعض إنجازاته التي أسهمت بشكل فاعل في تحسين الرعاية الصحية لأطفال السودان.
في 6 مارس 2025، فقدت الساحة الطبية في السودان أحد أعلامها البارزين، حيث توفي الدكتور جعفر بن عوف، استشاري طب الأطفال والاستاذ في جامعة الخرطوم. و يُعتبر الدكتور بن عوف من الشخصيات البارزة في مجال طب الأطفال، إذ أسس مستشفى “جعفر بن عوف” للأطفال الذي أصبح مرجعًا مهمًا في تقديم الرعاية الصحية للأطفال في السودان. ولقد تركت إنجازاته بصمة واضحة في حياة العديد من الأطفال وعائلاتهم، مما جعله رمزًا للعطاء والإبداع في الطب.
وأثناء بحثي عن سيرة الراحل، اطلعت علي مقالٍ جيد بعنوان “بناء مستشفى جعفر ابن عوف للأطفال: قصة غير مسبوقة”، نشره الدكتور محمد عثمان سوار في عام 2015، العدد رقم 15 من المجلة السودانية لطب الأطفال سلط فيه الكاتب الضوء علي العديد من جوانب حياة البروفيسور جعفر بن عوف وانجازاته المهنية والعلمية وآمل ان يتحفنا كاتب ذلك المقال بالمزيد من تلك السيرة العطرة.
وُلد العالم الفذ الراحل في عام 1942، وأكمل دراسته الجامعية في جامعة الخرطوم عام 1967 ومن ثم تخصص في طب الأطفال في المملكة المتحدة عام 1973، حيث حصل على زمالة الكلية الملكية للأطباء (MRCP) ودبلوم صحة الأطفال (DCH)، ثم نال لاحقًا الزمالة الفخرية للكلية الملكية للأطباء (FRCP) والزمالة الفخرية للكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل (FRCPCH).
بعد عودته إلى السودان، واصل العمل في المجال الطبي وحصل على درجة الدكتوراه في الطب من جامعة الخرطوم، وزمالة مجلس التخصصات الطبية السوداني (FSMS)، بالإضافة إلى الدكتوراه الفخرية من جامعة الأحفاد للبنات. وبفضل جهوده المخلصة في إنشاء أول مستشفى متخصص في طب الأطفال في السودان، تم إطلاق اسمه على المستشفى، كما منحه الرئيس عمر البشير وسام الإنجاز تقديرًا لعطائه.
شغل البروفيسور جعفر بن عوف عدة مناصب بارزة، منها رئيس مجلس إدارة مستشفى جعفر بن عوف للأطفال، رئيس مجلس طب الأطفال وصحة الطفل في المجلس الطبي السوداني، وكبير أخصائيي طب الأطفال بوزارة الصحة.
واصل البروفيسور جهوده في بناء وتجهيز مستشفيات للأطفال في مختلف أنحاء السودان، سواء في الشمال، الغرب، الشرق، الوسط أو الجنوب. كما قام بتطوير برامج صحية في شرق السودان وشرق الاستوائية. أنشأ 60 مركزًا صحيًا في الخرطوم، وافتتح وحدة في مركز فتح الرحمن البشير المرجعي لتثقيف الأمهات حول تغذية الأطفال والتطعيمات. بالإضافة إلى ذلك، عمل لعدة سنوات على رعاية الأطفال في دور الأيتام، وكتب البرنامج الوطني لأمراض الإسهال وأطلق برامج تدريبية متعددة ونفذ أنشطة طبية مختلفة داخل السودان.
دوليًا، كان البروفيسور جعفر أحد المؤسسين للمجلس العربي لاختصاص طب الأطفال، وترأس لجنة الامتحانات لمدة 10 سنوات. كما عمل باحثًا ومديرًا في دراسات تعاونية مع جمعية ADE للتغذية في باريس، والمجموعة العلمية العالمية في سويسرا، ومدرسة طب المناطق الحارة في ليفربول، وجامعة أوبسالا، والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية (EMRO).
من خلال عمله في مستشفى جعفر بن عوف، شارك بنشاط في تدريس طلاب البكالوريوس والدراسات العليا، والإشراف على الأبحاث والامتحانات. كما ساهم في تصميم المناهج الطبية وتدريب الكوادر الصحية العاملة في طب الأطفال في مختلف أنحاء السودان، وأشرف على عشرات الأطروحات المقدمة لنيل درجة الدكتوراه في طب الأطفال.
كما شارك البروفيسور جعفر في العديد من المؤتمرات الوطنية والدولية في مجال طب الأطفال، وكان متحدثًا رئيسيًا في مؤتمرات عقدت في المملكة المتحدة، السويد، الولايات المتحدة، كندا، سويسرا، السعودية، وعمان. كما شغل منصب رئيس جمعية أطباء الأطفال السودانية (SAP) من 1991 إلى 2001، واستمر كعضو في هيئة تحرير المجلة السودانية لطب الأطفال (SJP).
ونشر البروفيسور جعفر العديد من الأبحاث في المجلات الطبية الوطنية والدولية، وساهم في تأليف ثمانية كتب في طب الأطفال وصحة الطفل. حاليًا، يشغل منصب أستاذ ورئيس وحدة طب الأطفال في مستشفى جعفر بن عوف للأطفال، ولا يزال يُكرَّم ويحظى بتقدير واسع من الشعب السوداني تقديرًا لإسهاماته العظيمة في صحة الأطفال.
لقد عُرف الدكتور جعفر بن عوف بجهوده الكبيرة في تعزيز صحة الأطفال، حيث كان له دور بارز في تطوير برامج صحية متعددة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية. أسهمت خبرته الواسعة في طب الأطفال في تحسين مستوى الرعاية الصحية في السودان، حيث كان يسعى دائمًا لتقديم أفضل الخدمات الطبية للأطفال. إن وفاته تمثل خسارة كبيرة للمجتمع الطبي وللأطفال الذين استفادوا من خبراته الواسعة.
وكما شهد زملاؤه وطلابه فضلا عن ذوي الأطفال الذين ساهم في عافيتهم، لم يكن البروفيسور جعفر مجرد طبيب يعالج الأطفال المرضى، بل كان رائدًا في مجال رعاية صحة الأطفال والوقاية من الأمراض التي تهدد حياتهم. كرس جهوده للحد من معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات بين الأطفال، إيمانًا منه بأن الرعاية الصحية تبدأ قبل وقوع المرض. في ذلك الوقت، كان قسم الأطفال مجرد وحدة صغيرة ضمن مستشفى الخرطوم لا تلبي الاحتياجات المتزايدة للأطفال المرضى.
إدراكًا منه لحجم المشكلة، قرر البروفيسور جعفر تخصيص جزء من ماله الخاص لبناء مستشفى متكامل متخصص في علاج الأطفال. لم يكن الطريق سهلاً، إذ واجه العديد من العقبات الإدارية والمالية، لكنه واجهها بصبر وعزيمة لا تلين. وبفضل إصراره، نجح في عام 2002 في تحقيق حلمه بإنشاء مستشفى متكامل يضم كافة التخصصات والخدمات الطبية اللازمة لعلاج الأطفال، إلى جانب برامج متقدمة لتدريب الأطباء، مما ساهم في تطوير طب الأطفال في السودان ورفع مستوى الرعاية الصحية للأطفال في البلاد.
وفي عام 2013، واجه المستشفى تحديات كبيرة تتعلق بمحاولات نقل خدماته أو إغلاقه، مما أثار احتجاجات من قبل الأطباء والمجتمع المدني للحفاظ على دوره الحيوي في تقديم الرعاية الصحية للأطفال.
فقاد بروفيسور ابن عوف حملة شعبية شرسة ضد قرار سلطات ولاية الخرطوم القاضي بتجفيف مستشفى جعفر بن عوف للأطفال وتحويل قسم الطوارئ إلى مستشفيات طرفية. وأكد أن هذا القرار لم يُدرس بطريقة علمية، معتبراً أن الخطوات التي تتخذها وزارة الصحة بالولاية تُلحق ضررًا بصحة الأطفال في السودان. من خلال حملته، أوضح أن المستشفى لم يتلقَ أي تمويل حكومي، وأنه شخصيًا ساهم في بنائه بجهوده الخاصة، حيث اوضح انه عمل فيه ليديه كنجار، وكهربائي، وحداد، وعامل بناء حتى اكتمل.
وتلي جانب ذلك كان الدكتور جعفر عضوًا نشطًا في العديد من الجمعيات الصحية المحلية والدولية، وشارك في برامج تدريبية لصالح الكوادر الصحية في السودان. قدم محاضرات ودورات تدريبية لرفع كفاءة الأطباء والعاملين في المستشفيات الحكومية، كما كان له دور كبير في نشر الوعي الصحي في المجتمع السوداني من خلال تنظيم حملات تهدف لتحسين صحة الأطفال.
لقد كان الدكتور جعفر بن عوف أكثر من مجرد طبيب؛ فقد كان معلمًا ومرشدًا للعديد من الأطباء الشباب. كان يشجعهم على التفكير النقدي والتحليل العلمي، مما جعله قدوة للكثيرين في المجال الطبي. الأطباء الذين عملوا معه يتذكرون دائمًا تفانيه وحماسته لتعليم الأجيال الجديدة، واعتبروه مصدر إلهام لهم.
ختامًا، فقد ترك الدكتور جعفر بن عوف إرثًا علميًا وطبيًا سيظل يتردد في قلوب المرضى وفي مؤسسات التعليم الطبي. ورغم رحيله المفاجئ، ستبقى إنجازاته علامة مضيئة، وستستمر أعماله في تحفيز الأطباء على الاستمرار في مسيرة العلم والعطاء. رحم الله الدكتور جعفر بن عوف وأسكنه فسيح جناته، وعزاؤنا لأسرته وزملائه وأصدقائه.








