رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :هل نحن نؤذن في مالطا؟

ما حرضني على كتابة هذا المقال هو دفعة صادقة جاءتني من زميلتي الأستاذة هبة الطيب، التي عقّبت على مقالاتي السابقة بقولها: “بالجد مقالاتك مهمة ومفيدة جداً، ياريت يستفيدوا منها، لو ممكن تنشر المقالات في كل السايتات الإخبارية”.

هذه الكلمات فوق انها كانت مجاملة لطيفة، إلا أنها حملت في طياتها تساؤلًا جوهريًا هو: هل تجد مثل هذه الكتابات آذانًا صاغية؟ وهل يُكتب لها أن تتجاوز جدران الصمت وتصل إلى من بيدهم القرار؟ ام اني وغيري من الكتاب فقط نؤذن في مالطا؟

ويُقال “يؤذن في مالطا” كناية عن الحديث أو النصح أو التنبيه الذي لا يجد من يسمعه أو يستجيب له، وهو مثل شعبي عربي يستخدم للدلالة على عدم الجدوى للكلام حين يُلقى في فراغ لا حياة فيه.

وأصل القول يعود إلى قصة تاريخيّة اذ زعموا إن المسلمين حين فتحوا جزيرة مالطا – وكانت ذات غالبية مسيحية في تلك الحقبة – رفع فيها المؤذن الأذان للصلاة، فلم يجبه أحد، لأن السكان لم يكونوا مسلمين ولا يعرفون معنى الأذان، فبدا وكأنه “يؤذن في قوم لا يسمعون”، ومن هنا جاءت العبارة رمزًا لمن يتحدث دون أن يجد آذانًا صاغية أو يتوجه بكلامه إلى من لا يفهمه ولا يعيره اهتمامًا. وهو ما يجعل التعبير مناسبًا لمقالي هذا الذي يناقش جدوى الكتابة في ظل تجاهل صانع القرار لما يُطرح من آراء وأفكار.

وهكذا يتساءل الكثيرون من الكتّاب والمفكرين والإعلاميين في السودان، وهم يقدمون اللقاءات المتلفزة و يسطرون في الصحف الورقية والاسفيرية، مقالات وتحليلات ومقترحات، يضعون فيها عصارة خبراتهم وتجاربهم، ويجهرون في العلن كنداء وطني صادق. لكن السؤال المؤلم يظل معلقًا في الهواء: هل من يسمع؟ وهل تجد هذه الكلمات طريقها إلى مَن بيده القرار، أم تظل كالصوت يبتلعه السراب في صحراء بلا صدى؟

وفي ظل غياب قنوات رسمية للتفاعل، وتآكل المؤسسات الوسيطة بين الحاكم والمحكوم، تصبح الكتابة واجبا اخلاقيا في ذمة الكاتب ، لكنّه عملٌ محفوفٌ باليأس، ما لم تُفتح له نوافذ حقيقية ويجد أذناً مستعدة للإصغاء والتفاعل.

في هذا المقال أحاول تفكيك هذا الواقع، واتساءل عن جدوى الكلمة في زمن هذا الصمم الذي اصبح سمة واضحة لدي كافة مؤسسات الحكم في بلادنا العزيزة .

ففي عالم اليوم، لم تعد الحكومات وحدها تملك مفاتيح القرار والمعرفة. با باتت المجتمعات الحديثة تمثّل خزائن مفتوحة من الأفكار والخبرات، من خلال كتابها، مفكريها، صحفييها، خبرائها، بل وحتى مواطنيها العاديين، الذين يعبّرون عن رؤاهم واقتراحاتهم وانتقاداتهم بصورة يومية. هذه الثروة المعرفية الهائلة يمكن أن تُسهم في إصلاح الدولة، وتطوير الأداء العام، ومواجهة الأزمات المعقدة، إذا وُجدت إرادة لاستقبالها ومن ثم استيعابها.

والسودان، وهو يمر بواحدة من أخطر مراحل تاريخه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يبدو اليوم وهو في أمسّ الحاجة لهذه “الاستشارات الطوعية” التي تأتي يوميًا من أقلام وضمائر أبناءه، من دون مقابل، ومن دون انتظار اجر أو منصب أو وسام النيلين من الطبقة الاولي، بل بدافع أخلاقي ووطني خالص.

لكن السؤال الجوهري الذي لا مفر منه يظل هو: هل تجد هذه الأفكار والآراء آذانًا صاغية لدى الدولة؟ وهل توجد داخل مؤسسات الحكم آليات فعّالة تستقبل هذه المقترحات، وتحللها، وتُفعّل ما يمكن تفعيله منها؟

وللأسف، الإجابة التي تفرض نفسها ـ رغم مرارتها وهي: لا.

فنحن نكتب، ونقترح، ونحلّل، ونُشخّص، لكننا لا نرى من أجهزة الدولة من يعلّق، أو يستجيب، أو يتحرك خطوة في أي اتجاه ممّا ندعو إليه. كأن الكلمات تُلقى في الفراغ، وكأن الصوت لا يجد إلا رجع الصدى الصامت.

وهذا – في صدقه ومأساته – ما بدأ يُزهدني شخصيًا في جدوى الكتابة ذاتها.
فما قيمة أن تُشعل شمعة كل يوم في نفق لا أحد يسير فيه؟

اننا، يا ستي هبة الطيب وسادتي القراء، نعيش الان في عهد غياب المؤسسات التشريعية والتواصل المؤسسي. ففي الوقت الراهن، لا وجود لمجالس تشريعية أو برلمان منتخب يعبر عن صوت الشعب، وينقل مطالبه، ويؤطر العلاقة بين المواطن والحكومة. فغياب هذه الهياكل يجعل التواصل السياسي من طرف واحد، ويُعقّد عملية صنع القرار، ويعزل الدولة عن نبض المجتمع.

في البلدان الحديثة، حين تغيب البرلمانات، يتم تعويضها بآليات بديلة تشمل المنصات الإلكترونية واللجان الاستشارية، وحدات الرصد داخل الوزارات، و المبادرات المجتمعية التي تسهم في نقل الرأي العام لصناع القرار. أما في السودان، فإن معظم ما يُقال ويُكتب يضيع في زحام الإنترنت، أو يظل حبيس المقالات دون أن يجد طريقه إلى طاولة (وليس مائدة) الحوار الرسمي أو دوائر صنع القرار. وقلت “طاولة” لاني سمعت البروفيسور عبد الله الطيب يقول انها لا تسمي “مائدة” إلا إذا كان عليها طعام.

ولا بد لنا ان نذكر بان هذه الكتابات الوطنية ليست خصومة بين طرفين بل هي خدمة وطنية. اذ ان ما يقدّمه هولاء الكتّاب والخبراء والمثقفون من نقد ومقترحات لا يجب أن يُفهم كهجوم او معارضة لسياسات الدولة، بل هو جهد مخلص لخدمة المواطن . وكثير من هذه الكتابات ليست مجرد انتقادات، بل تحمل تصورات مدروسة، بعضها قابل للتطبيق الفوري، وبعضها مستند إلى تجارب ناجحة في دول أخرى أو إلى تجارب محلية تراكمت في شكل معرفة استقرت في اذهان أصحابها على مدى عقود.

إذاً فهذه الكتابات ما هي إلا مساهمات ثمينة تقدم مجانًا، دون أن تطلبها الدولة من أصحابها. وهي من جنس ذلك النوع من العطاء الذي تدفع من أجله الدول المتقدمة ملايين الإيوانات الصينية وتؤسس له المراكز الفكرية و معاهد الدراسات الاستراتيجية، في حين أنه متاح في السودان بلا ثمن وعلي قفا من يشيل، لكنه يظل متاعاً هملاً لا يؤبه له ولا قيمة له ولا يُستثمر .

والسؤال الحاسم الآن: هل ستأتي يومًا حكومة — انتقالية كانت أو منتخبة، قريباً أو بعد حين — يُلهمها الله الرشد، فتدرك القيمة الحقيقية لهذا المعين الفكري المتدفق؟ وهل ستعي الدولة السودانية يوماً ما أهمية هذه الآراء الثرية، التي تُبذل مجانًا وتنتشر في الفضاء الرقمي، فتنشئ آليات مؤسسية لرصدها وتحليلها وتصنيفها، ومن ثم تحويلها إلى مدخلات لصنع القرار؟

وهل توجد — أو يمكن أن توجد — إدارات داخل الوزارات والهيئات الحكومية، تُعنى بما يُكتب عنها في الصحف والمجلات والمنصات الرقمية؟ وهل تُعد تقارير دورية ترصد اتجاهات الرأي العام وتوصيات المختصين، لتكون مرآة تعكس نبض الشارع ومرشدًا لاتجاهات الإصلاح؟

لا شك ان غياب هذه الآليات سيحرم السودان من رصيد معرفي ضخم كان من الممكن أن يُحسّن الأداء الحكومي، ويمكن صانع القرار من الاستفادة من التجارب الناجحة وتجنب الاخطاء السابقة ويختصر الطريق نحو الحلول في كثير من الملفات المعقدة.

ومن أبرز الوسائل الحديثة التي يمكن أن تُحدث تحولًا كبيرًا في علاقة الدولة بالمجتمع، تفعيل الحكومة الإلكترونية بوصفها وسيلة عصرية وآمنة وفعالة للتواصل المتبادل بين الدولة ومواطنيها.

كما يمكن عبر بوابات إلكترونية رسمية أن يرسل المواطنون شكاواهم ومقترحاتهم، ويتابعوا ما يجري تنفيذه، ويشاركوا في تقييم السياسات. كما يمكن للحكومة أن ترصد من خلال هذه المنصات اتجاهات الرأي، وتُشرك الناس في اتخاذ القرار، وتحسّن الشفافية والمساءلة.

فالحكومة الإلكترونية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة حيوية في زمن الأزمات، وهي أداة استراتيجية لرأب الصدع بين المواطن والسلطة، خاصة في ظل غياب المجالس المنتخبة وتعثر المؤسسات الوسيطة.

في عصر الأزمة، يا ستي هبة وسادتي القراء، يكون التواصل بين الحكومة والشعب واجباً لا خياراً. فالوضع الراهن يتطلب فتح نوافذ جديدة للتفاعل بين الدولة والمجتمع. و حتي تكون عمليا في طرحي هذا، فان من بين الخطوات الضرورية التي يجب اعتمادها:
• إنشاء منصات رسمية رقمية لاستقبال المقترحات والملاحظات
• تنظيم جلسات استماع دورية مع أصحاب الرأي والخبرة
• تشكيل لجان فنية مشتركة بين الوزارات والمجتمع المدني
• تأسيس مراكز لتحليل بيانات الرأي العام ومراقبة اتجاهاته من خلال وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي

هذه المقترحات ليست ترفًا تنظيميًا، بل أدوات لبناء الثقة وضمان شرعية القرار العام في بلد يعاني من فقدان التمثيل السياسي، والتآكل المؤسسي.

وفي الختام اذكر نفسي واياكم، سيدتي وسادتي، بان ما يُنشر اليوم من مقالات وتحليلات ومقترحات ليس مجرد “خواطر فيسبوك” أو “تغريدات تويتر”، بل هو تعبير صادق عن عقل جماعي ناضج يبحث عن مخرج من الأزمة. إنه كنز معرفي متاح، تقدّمه العقول السودانية بسخاء، ومن المؤسف أن تظل هذه الثروة مهملة أو مجهولة. ولو كانت هذه الكتابات متاحة لدولة ذات مؤسساتٍ نشطةٍ، لاحتفت بها، ولحوّلتها إلى خطط عملٍ واقعيةٍ ولأنتجت منها قيمة مادية متمثلة في جودة في الاداء ووفرةً في الانتاج وصحةً ونماءً وتعليماً.

فهل تبدأ الدولة السودانية في الإصغاء الجاد؟ هل تبني جسور الثقة مع المواطن ؟ هل تستثمر هذا الرصيد المجاني العظيم من المعرفة والخبرة؟ أم سنواصل الكتابة ترفاً وقتلتً للوقت، وتبقى جدران دواوين الدولة صمّاء لا تقرأ ولا تعي؟
بكري موسي عبد الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى