رأي

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :كنت في الجزائر 

بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :كنت في الجزائر

 

 

من يظن أن الدهشة تسكن مكانًا واحدًا لم تطأ قدماه الجزائر بعد.

ففي هذا البلد الممتد بين زرقة المتوسط وسكون الصحراء، تتقاطع الأزمنة وتتشابك الحكايات، حيث يدهشك الحاضر بعنفوانه، وتأسرُك الطبيعة بجمالها الفطري الجامح، ويوقظك التاريخ من غفلتك بعبق الماضي الذي لا يزال حيًا في تفاصيل المكان. لقد كنت في زيارة إلى أرض لا تُشبه إلا نفسها… الجزائر.

كانت وجهتي في رحلتي هذه مدينة “تيارت”. تلك المدينة الجزائرية التي تحمل طابعًا فريدًا، إذ تجمع بين أصالة التاريخ وحداثة الحاضر، وتروي للزائر قصصًا تمتد من عصور الرستميين في القرن الثامن الميلادي، حين كانت مركزًا حضاريًا ودينيًا متألقًاً في شمال أفريقيا، إلى حاضرٍ نابضٍ بالحياة، تتقاطع فيه الجغرافيا بالتاريخ والثقافة.

كانت الرحلة من مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة إلى مدينة تيارت تجربة مدهشة بكل تفاصيلها، جمعت بين مغامرة الطريق وسحر الطبيعة وتنوع التضاريس. استقليت فيها سيارة اجرة جماعية من محطة نقل المسافرين بوسط العاصمة، حيث تنطلق المركبات إلى معظم ولايات الجزائر. كان الجو مشبعًا بالحيوية، ورفاقي في الطريق مسافرون من شتى الأعمار والخلفيات، تمازجت أحاديثهم في مزيج لغوي جزائري فريد يجمع بين العربية والأمازيغية والفرنسية، في تناغم يعكس تنوع البلاد وثراء ثقافتها. أما السائق، فكان رجلًا في منتصف العمر، يتمتع بملامح صلبة تدل على خبرة طويلة في القيادة عبر طرق البلاد السريعة والمتعرجة. يداه القويتان تتحكمان بعجلة القيادة بثقة ومهارة، ووجهه المعتّق يحمل آثار السهر والتركيز الدائمين، مع نظرة حادة ترصد كل منعطف وزاوية في الطريق. كان ودودًا، كثير الحديث، لا يمل من الحكايات التي تتنقل بين السياسة والمجتمع والطريق، وكأن الرحلة ليست مجرد عبور، بل تجربة حياة يومية مكتملة. ولم يمهلنا الرجل كثيرًا، فقد طلب منا دفع الأجرة مقدما، ومازحنا قائلاً إنه لا يرغب في الوصول إلى نهاية الرحلة ليجد راكبًا لا يملك محفظة نقود، متسائلاً بمرح عمّا سيفعله في تلك الحالة، فقمنا بدفع الأجرة قبل تحرك السيارة من مستقرها.

انطلقت سيارة الأجرة وهي تعج بمشاهد بشرية متنوّعة: مسافر غارق في النوم، وآخر يتثاءب وهو يدافع النعاس دون جدوي، وامرأة شابة تتحدث في هاتفها بصوت مرتفع بين الفينة والأخرى، وكأنها تكمل معركة لم يسعفها الوقت لحسمها. أما الرجل المسنّ الذي جلس في المقعد الأمامي بجانب السائق، فقد بدا كتمثال من الطمأنينة، عيناه ثابتتان على الطريق، ويداه تعانقان عصاه، وملامحه تنضح بخبرة من يعرف كل انحناءة في هذا المسار الطويل. فبدا وكأن الجبال الملتفة والمنحدرات الحادة ليست عقبات، بل ذكريات قديمة تتكرر، فمنحني حضوره إحساسًا بالطمأنينة وشكل وجوده حزام أمان في طريق لا يخلو من المفاجآت. كل ذلك أضفى على الرحلة روحًا نابضة بالحياة، وأنا، الغريب الوحيد بينهم، كنت مستمتعًا بتفاصيل هذا المسرح المتنقل، أراقب بعين فضولية ذلك التفاعل العفوي بين رفاقي في الطريق.

تبلغ المسافة إلى تيارت نحو 300 كيلومتر من العاصمة الجزائر، لكن الطريق لم يكن مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى، بل أشبه بعرض بانورامي مفتوح للطبيعة الجزائرية، يكشف عن تنوعها وتناقضاتها الساحرة. سارت بنا السيارة اولا عبر طرق سريعة معبّدة، ثم ما لبثت ان تحولت الي مسالك متعرجة عبر الجبال والوديان، تتخللها أنفاق طويلة وتلال مكسوة بالخُضرة. وتتغير المناظر كل بضع كيلومترات، من سهول فسيحة إلى منحدرات صخرية، ومن قرى نائية تغفو على سفوح التلال إلى مزارع تنتشر فيها قطعان صغيرة من الماشية والأغنام و تتخللها أشجار الصنوبر والبرتقال و الزيتون. كانت الطبيعة تروي قصتها بصمت، ونحن نصغي لها من خلف زجاج السيارة.

وفي منتصف الطريق إلى تيارت، وبعد ساعات من الالتفاف بين الجبال والمرور عبر الوديان العميقة والسهول المتدرجة، توقّفنا في استراحة صغيرة عند كافتيريا على جانب الطريق، كما جرت العادة في رحلات النقل الجماعي الطويلة في الجزائر. كان المكان بسيطًا، لكنه نظيف ومريح، تحيط به أشجار قد غرست حديثاً، ويطل على وادٍ صغير يعبره جسر إسمنتي قديم، بدا كأنه شاهد على عبور آلاف المسافرين.

أدى بعض الركاب صلاة الظهر على سجادات وفرها أصحاب الكافتيريا، بينما توجه آخرون إلى دورات المياه أو جلسوا في الظل لاحتساء القهوة او تدخين السجائر، أو تناول وجبة خفيفة في مطعم قريب. كانت لائحة الطعام تذخر بعرض أكلات جزائرية تقليدية مثل طاجين الزيتون، وحساء الفريك، ولحم الضأن المشوي على الفحم، ومعها خبز “المطلوع” الطازج. وتسللت رائحة الطعام الشهية إلى الأنوف، ممزوجة بنسيم الجبال، فزادت من شهية المسافرين وعمّقت لذّة التوقّف.

في تلك الوقفة القصيرة، أحسست بأن الطريق ليس مجرد وسيلة للوصول الي تيارت، بل هو فصل من الرحلة، له طعمه ورائحته، ومشهده الإنساني الدافئ الذي يظل عالقًا في الذاكرة. ولم يمض وقت طويل في الاسترخاء، إذ سرعان ما أطلق سائقو سيارات الأجرة مزاميرها، إيذانًا بانتهاء لحظة الراحة واستعدادًا لمواصلة الرحلة. فتبدد سكون الاستراحة في لحظة، وهبّ الركاب كمن أفزعتهم صحوة من حلم لذيذ، كلٌ يهرول نحو مركبته، وملامحه ما زالت معلّقة بين نشوة الطعام وسكينة الجبال.

كان الهواء داخل السيارة مشبعًا بخليط من رائحة الشواء ودخان السجائر، مع نكهة البن التي ما تزالت عالقة في الأكواب البلاستيكية التي حملها المسافرون معهم الي السيارة. وتصاعد الغبار من خلف السيارات المسرعة، واختلطت بقايا الأحاديث المتقطعة بالضحكات الخفيفة، ثم بدأ محرك السيارة يعلو تدريجيًا، كأنما يجرنا من الحنين إلى الطريق.

وعاودت المركبات مسيرتها تنساب واحدة تلو الأخرى على الإسفلت المتعرج، وأخذت الجبال تفتح لنا اذرعها مجددًا بصمتها المهيب، بينما الشمس تنحرف ببطء عن كبد السماء لترسم ظلالًا فوق السهول المحروثة حديثا… وكأن حسيس محرك السيارة يقول: ما زال في الطريق حكايات لم تُروَ بعد.

وبعد مسيرة ساعتين، استقبلتنا لافتة كبيرة مكتوب عليها: “تيارت – مرحبًا بكم”. فبدأت السيارة تهبط برفق نحو سهل واسع تتربع عليه مدينة تجمع بين عبق التاريخ وروعة الطبيعة. إذا هذه هي تيارت، التي كانت تعرف قديماً بأسماء مثل “تيهرت” و”تاهرت” و”تاقدمت” — كلمة أمازيغية تعني “اللبؤة” — وتعد واحدة من أقدم وأهم المواقع التاريخية في الجزائر. تأسست تيارت في عام 765م على يد عبد الرحمن بن رستم، مؤسس الدولة الرستمية، التي حكمت المنطقة بين 776 و908م، وحوّلها إلى مركز حضاري واقتصادي مزدهر. والمدينة تقع على مرتفع طبيعي بين ثلاثة أنهار، مما منحها موقعًا استراتيجيًا محميًا، وروابط حيوية بين شمال الجزائر وجنوبها، كان هذا الموقع سببًا في بقاءها نابضة بالحياة عبر القرون.

وتُعتبر ولاية تيارت بوابة الصحراء في الجزائر بامتياز لأنها تقع على الحدود الانتقالية بين المناطق الزراعية الخصبة شمالًا والهضاب العليا التي تبدأ عندها ملامح المناخ الصحراوي الجاف، حيث تتناقص الأمطار وتزداد الحرارة تدريجيًا، وتمتد الصحراء الكبرى رسميًا جنوبًا من ولايات مثل الأغواط وغرداية، ما يجعل تيارت نقطة انطلاق طبيعية لاستكشاف الجزائر الصحراوية والواحات الساحرة.

ومرت المدينة بعدة مراحل تاريخية حيث استولى عليها الفاطميون عام 908م، ومن ثم الموحدون، وشهدت فترات من الخراب والهجران، لكنها لا تلبث ان تنتعش مرة تلو الاخري، ولم تفقد أبدًا مكانتها الثقافية والتاريخية عبر القرون.

وتُعد تيارت واحدة من أعرق المدن في البلاد وأكثرها تنوعًا في الطابع الجغرافي والثقافي حيث تقع على ارتفاع يزيد عن ألف متر فوق سطح البحر، وتحيط بها الجبال والغابات من كل الجهات، مما يمنحها طقسًا قاريًا متقلبًا. فصيفها حار وجاف، وشتاؤها بارد وقد تغطيه الثلوج احياناً. و يسكن المدينة وضواحيها أكثر من مليون نسمة، يتوزعون بين الأحياء القديمة مثل حي 1 ماي و 11 ديسمبر والأحياء الحديثة ذات الطابع العمراني الجديد. ويرمز 1 مايو إلى نضال العمال الجزائريين، فيما يخلّد 11 ديسمبر 1960 مظاهرات شعبية حاسمة أكدت مطلب الاستقلال وفضحت زيف مشروع “الجزائر فرنسية”. وتتنوع شوارعها بين أزقة ضيقة ما زالت تحافظ على روح المدينة التقليدية، وشوارع واسعة تتزاحم فيها المقاهي الحديثة والمتاجر النشطة.

وتتميز المدينة بتضاريسها المتنوعة، إذ تمتد التلال والجبال في مشاهد متصلة حتى الأفق، وتشكل خلفية طبيعية رائعة للحياة اليومية. وتكثر الغابات المحيطة بها مثل غابة سيدي موسى وغابة زرزور التي تُعد رئة خضراء للمدينة ووجهة للنزهات العائلية والمشي الجبلي.

و يعج سوق تيارت بالحركة يوميًا، إذ يُعرض فيه كل ما تنتجه الأرض واليد من الحبوب والتمور إلى النسيج والفخار التقليدي. وتختلط فيه أصوات الباعة وأبواق السيارات كما تختلط رائحة التوابل والفاكهة ودخان التبغ. وإلى جانب الأسواق التقليدية، تجد مراكز تجارية حديثة ومرافق خدمية متقدمة، مثل مستشفى يوسف الدمرجي، الذي يُعد من المراكز الطبية المرجعية في المنطقة. كما تمتد شبكة الكهرباء والغاز والإنترنت إلى غالبية المنازل، ما يعكس تطور البنية التحتية في الولاية.

وتُعد تيارت مدينة متكاملة في خدماتها، اذ تضم جامعة ابن خلدون التي تشمل عدة كليات ومعاهد، إلى جانب العديد من المدارس لكافة المراحل التعليمية ومراكز للتدريب المهني. وتحتضن كذلك مرافق حكومية مهمة كمقر الولاية، والمحكمة، والمستشفى الجامعي، ومراكز الشرطة والدرك الوطني والبريد. وعلى بُعد نحو 15 كيلومترًا من المدينة يقع مطار عبد الحفيظ بوصوف، الذي يربط تيارت بالولايات الأخرى. وتتمتع تيارت بشبكة مواصلات برية تربطها بمختلف ولايات الجزائر عبر الحافلات وسيارات الأجرة ، وتشهد المدينة توسعًا في شبكة السكك الحديدية، حيث تم تشغيل الخط بين سيدي بلعباس وفرندة، ويُنتظر اكتمال امتداده إلى تيارت قريباً، وهو ما سيعزز الربط بين المدينة ومحيطها. ويعكس هذا التنوع المؤسسي مكانة تيارت كمركز إداري وتعليمي وحيوي في غرب الجزائر.

اما اقتصاديًا، فتعد تيارت مركزًا صناعيًا نشطًا، خصوصًا في مجالات صناعة الحديد والمركبات والصناعات الغذائية. وتنتشر فيها المناطق الصناعية مثل زعرورة وعين بوشقيف، حيث تشتغل العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب المنشآت الكبرى. وتحتفظ تيارت أيضًا بمكانتها كمهد لتربية الخيول في الجزائر، إذ يوجد بها واحد من أعرق مراكز تربية الخيول العربية والبربرية، إلى جانب تنظيم سباق فروسية سنوي في شهر سبتمبر يشهد إقبالًا شعبيًا واسعًا ويعكس تقاليد الفروسية الراسخة في المنطقة.

فهذه الأرض كانت الملاذ الذي اختاره عبد الرحمن بن خلدون للتفكر والكتابة، حين لجأ إلى مغارة بني سلامة في منطقة فرندة، وقضى فيها أربع سنوات من العزلة والتأمل، كتب خلالها مقدمته الشهيرة التي أصبحت لاحقًا أساسًا لعلم الاجتماع. وها أنا ذا، على خُطاه، أقتفي آثاره بعد قرون، مدفوعًا بشغف الاكتشاف وروح المعرفة، فقررت أن أزور مغارته في يوم ربيعي صافٍ، تتفتح فيه الأزهار على جانبي الطريق كأنها تبارك الرحلة.

وابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، وُلد في مدينة تونس عام 1332م (732هـ)، وتوفي في القاهرة عام 1406م (808هـ). و يُعد من أبرز المفكرين والمؤرخين في الحضارة الإسلامية، وقد برع في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والاجتماع. ويُعرف بكتابه الشهير “كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”،. وهو كتاب يمثل موسوعة تاريخية ضخمة تقع في سبعة مجلدات. ويبدأ هذا العمل بمقدمة شهيرة تُعرف باسم “مقدمة ابن خلدون”، وتعد من أهم ما كُتب في الفكر الإنساني، إذ وضع فيها أسس علم الاجتماع، وناقش فيها قضايا العمران البشري، والدولة، والاقتصاد، والتعليم، والدين، والتاريخ، ونفسية الإنسان. أما بقية أجزاء الكتاب، فتتناول تاريخ الشعوب من العرب والبربر وغيرهم، وتحلل صعود الدول وسقوطها، مع سرد دقيق للأحداث، مستخدمًا منهجًا نقديًا جديدًا في قراءة التاريخ، ميزه عن المؤرخين السابقين له. وباختصار، كتاب ابن خلدون ليس مجرد سجل للأحداث، بل رؤية فلسفية شاملة لفهم حركة التاريخ والمجتمعات البشرية.

وقد عاش ابن خلدون في كنف أمراء بني عبد الواد في مدينة تلمسان قبل أن ينتقل إلى خلوته في مغارة بني سلامة . قرب فرندة في ولاية تيارت بعد ان نشب خلاف بينه وبين سلطات تلمسان آنذاك، ما دفعه إلى اعتزال الحياة السياسية مؤقتًا والتفرغ للكتابة والتأمل.

وتتربع مدينة فرندة على ارتفاع 1030 مترًا فوق سطح البحر، تحيط بها الجبال وتطل على سهول وادي التحت الخصبة. والطريق اليها يمتد على مسافة تقارب 50 كيلومترًا غرب تيارت، ويتعرّج عبر سلسلة من القرى الصغيرة مثل مدغوسة، ومشرع الصفا، وسيدي امحمد. وبعض هذه الأسماء اصلها من اللغة الأمازيغية. ويمر الطريق بين جبال ووديان، وتلوح على الجانبين مزارع القمح وأشجار التوت والتين والزيتون، ويسمون التين “الكرموس” وهو منتشر وينمّوا برياً. ومن أبرز المعالم على طول الطريق وادي مينا وسد بن خدة، حيث تجري المياه بين الصخور وتضفي نضارة على المكان. كما تصادفك شلالات سيدي واضح، التي تضيف لمسة جمالية مذهلة للطريق. وعلى سفوح التلال، تنتشر أضرحة الأولياء ومقابر الشهداء، التي تحكي بصمت عن تاريخ من الروحانية والنضال، فتمنح الرحلة بعدًا وجدانيًا يتجاوز مجرد التنقل بين مدينتين.

والمغارة نفسها تتكون من ثلاث كهوف متجاورة، وكان ابن خلدون يختلي في إحداها للتأمل والكتابة، محاطًا بصمت الطبيعة وعبير أزهار النباتات المختلفة. وأكثر الأشجار البرية التوت الجبلي والتين، ويقال ان ابن خلدون مكث في خلوته تلك اربع سنوات بين عامي 1375 و1379.

لكن المفارقة الطريفة أن شرطي المرور الذي سألته عن طريق المغارة في في مدخل المدينة قال انه لا يعرف ابن خلدون ولا علم له بوجود شخص يسكن في مغارة في تلك النواحي، واعتذر لي بانه ليس من أبناء تلك المنطقة وانما نُقل للعمل بها قبل مدة قصيرة. وضحكت في نفسي: كيف يغيب هذا الاسم العظيم عن أجيال اليوم، رغم أنه وضع أسس علم الاجتماع قبل قرون؟

ورغم تصنيف الموقع كمعلم أثري وطني منذ عام 1968، كما تقول اللوحة الإرشادية المثبته عند بوابة حديدية مهجورة، إلا أن المغارة تعاني من الإهمال والتدهور. فقد تآكلت جدرانها، وتعرض سقف إحدى المغارات للانهيار، مما يشكل خطرًا على الزوار. ورغم استمرار الزيارات السياحية، إلا أن الموقع يفتقر إلى الصيانة اللازمة. وعلى الرغم من هذه التحديات، يبقى الموقع شاهداً على إسهام ابن خلدون في الفكر الإنساني، ويأمل السكان المحليون والمهتمون بالتراث أن تحظى المغارة بالاهتمام والترميم اللازمين، لتظل منارة فكرية وثقافية للأجيال القادمة.

وكم كنت أتمنى لو أن السلطات الثقافية الرسمية او الأهلية في الجزائر أولت هذا المعلم الفريد ما يستحقه من عناية واهتمام، بأن تُعدّ مغارة ابن خلدون إعدادًا يليق بمكانتها التاريخية، وتُحوّلها إلى مزار ثقافي مهيأ، يسهل الوصول إليه من حيث الطرق والسلامة، وتُزوده بلوحات تعريفية ومسارات واضحة، تحترم تاريخ المكان وتجعله متاحًا لكل من يرغب في استحضار لحظة من لحظات النور في تاريخ الفكر الإنساني. فمكان كهذا لا ينبغي أن يُترك مرعي للأغنام أو يُعامل كزاوية معزولة، بل كصفحة مفتوحة من تراث الأمة.

وعموما قد أتاحت لي هذه الزيارة فرصة نادرة للتجول في ريف تيارت خلال فصل الربيع حيث تبدو الحياة كأنها لوحة تقليدية تنبض بالحياة. واختلست النظر الي النساء وهن يرتدين “الحايك” الأبيض أو الملون، وهو غطاء واسع يلفّ الجسد بالكامل ويُظهر وقارًا وأناقة فريدة، وتحت الحايك قد يرتدين أثواباً خفيفًةً مزركشًةً تمثل شتي ألوان الطبيعة. أما الرجال، فيلبسون الجلابيب الفضفاضة أو “القندورة” مع عمامة تُلف بإتقان حول الرأس، ويُكمل بعضهم طلّته بحمل عصا تقليدية منحوتة من خشب الزيتون أو الأرز، والعصا ليست فقط وسيلة للاتكاء، بل رمز للوقار والهيبة، ورفيقة دائمة في التنقل بين الحقول والأسواق. وتُستخدم هذه العصي أيضًا في رقصات الفروسية والمناسبات التراثية، فتضفي على المشهد لمسة من الأصالة والعراقة، وتذكّر بأن التقاليد لا تزال حيّة في هذا الجزء من الجزائر، تمامًا كما في بعض مناطق السودان.

ولا يلبس الرجال في تيارت السكاكين في أذرعهم كما يفعل بعض السودانيين، لكنهم يشتركون معنا في عادة سفّ التنباك، وإن اختلفت التفاصيل قليلًا. والتنباك يُعرف عندهم باسم “النَّفّة”، وهي مسحوق أوراق التبغ يُخلط أحيانًا بمواد قلوية، شبيهة بالعطرون المستخدم في السودان. وتُستخدم النفّة إما بوضع كمية صغيرة منها تحت الشفة أو في الخد، كما يفعل الكثيرون في السودان، أو عبر استنشاقها من الأنف، وهي طريقة أقل شيوعًا. وقد علمت أن بعض نساء القرى، كما في السودان، يتعاطين النفّة خفية عن أعين الرجال، بحجة تخفيف ألم الأسنان، في مشهد يحمل طرافة مألوفة. واذكر انه علي عهدنا في الجامعة كان الطلاب الذين يتكيفون بالتنباك يتعاطونه من وراء ظهر الزميلات. وذكر لي أحد السودانيين المقيمين في الجزائر أن النفّة الجزائرية أقل حدّة من التمباك السوداني، ربما لاختلاف نوع التبغ أو المواد المضافة. وعلمت كذلك ان النفّة ليست شائعة بين الشباب، بل تُرافق كبار السن في جلساتهم الطويلة أمام البيوت أو في المقاهي، حيث يتباطأ الزمن، ويتسلل أثر التبغ بهدوء مع احاديث السمر.

وطعام اهل الجزائر اساسه الخبز الذي يعرف بالكسرة. وفي الريف، كما في السودان، يُحضَّر خبز “الكسرة” من دقيق القمح الذي يُعجن ثم يُرقّ على شكل دائري رقيق، قبل أن يُخبز فوق صاج فخاري يُسمّى “الطاجين”، شبيه بما كنّا نعرفه قديمًا في السودان بـ”الدوكة”. ويوضع الطاجين مباشرة على الكانون، وتُقلَّب الكسرة حتى تنضج من الجانبين، ثم تُقدَّم ساخنة مع إدام غني من المرق المطهو بالخضار واللحم أو الدجاج، وتُشكّل وجبة رئيسية في الغداء أو العشاء.

واللافت أن ما يُشاع عن أن “الكسكس” هو الطعام الأشهر في الجزائر ليس دقيقًا تمامًا؛ ففي الريف، الكسرة هي سيدة المائدة بلا منازع، و يُسمّى الكسكس عندهم “طعام”. واحيانا تخبز الكسرة في الفرن، ولا يكاد يخلو بيت ريفي من “كوشة”، وهو الفرن البلدي المبني من الطين أو الحجر، الذي يضجّ بروائح الخبز كل صباح. ومن الطريف أن كلمة “كوشة” تحمل معاني مختلفة: فهي عند المصريين منصة العروسين في ليلة الزفاف، وعندنا في السودان تشير إلى مكان وضع النفايات. وكلما تناولت الكسرة الجزائرية، شعرت أن الحدود بين الشعوب لا تصنعها الخرائط، بل تقرّبها العادات ودفء الطباع، وأننا، على بعد آلاف الكيلومترات، نعيش تشابهًا خفيًا في تفاصيل الحياة اليومية.

وتيارت ليست مجرد بوابة للصحراء، بل هي واحة حقيقية للحياة، مليئة بالجبال الشاهقة والوديان المتعرجة وعيون المياه التي تنبثق بين الصخور، فتخلق مشاهد شاعرية تخطف الأنفاس. وانت تتجول في المدينة تحس وكأنك في قلب فيلم وثائقي عن عالم تتزاحم فيه المشاهد بين ملامح الريف والحضر، من بيوت طينية متواضعة، إلى مبانٍ حديثة وبعض الفيلات التي تشبه القصور الفخمة، تقف شامخة وسط الحقول أو على سفوح التلال، وكأنها تزهو بانتمائها لعصر مختلف. لكن أكثر ما أحزنني وأثار فيّ شجنًا عميقًا، أن كثيرًا من المباني الجميلة التي شيّدها الفرنسيون خلال فترة الاستعمار لم تلقَ العناية التي تستحقها بعد رحيلهم. فقد استولى عليها المواطنون بوضع اليد بموافقة الحكومات، سواء في الريف أو المدن، دون خطط ترميم أو إعادة تأهيل، فظل كثير من تلك المباني تعاني الإهمال، تتآكل جدرانها ويبهت لونها، وبعضها ينهار بصمت، حزينًا على ماضٍ لم يُحترم

و من المفارقات اللافتة في الجزائر أنه بينما المباني التي تركها الفرنسيون تُهمل وتُترك للاندثار دون ترميم، رغم قيمتها المعمارية والتاريخية، تُصان مقابرهم التي تتوسط معظم المدن بعناية لافتة، تحيط بها الأشجار والأسوار العالية، وتبدو أكثر نظامًا ونظافة من كثير من المرافق العامة. إنها مفارقة تطرح تساؤلات مؤلمة عن طريقة التعامل مع الذاكرة والتاريخ في الجزائر.

لكن شدتني مناظر أضرحة الأولياء المنتشرة على سفوح التلال المحيطة بالمدن، حيث ترتفع قببها البيضاء والزرقاء كرموز للبركة والروحانية وسط الطبيعة الخلابة. وتزخر ولاية تيارات بعدد من الأضرحة التي تُعدّ معالم دينية وتاريخية بارزة، ويُقبل عليها السكان والزوار للتبرك وإحياء المناسبات الدينية. ومن أبرز هذه الأضرحة ضريح سيدي سليمان في بلدية عين كرمس، وضريح سيدي الشيخ الحاج قدار في مغيلة، وضريح سيدي عطا الله بن ذهيبة في تاجموت، بالإضافة إلى ضريح سيدي عبد الله بوقبريين في بلدية سيدي عبد الله. وتمثل هذه الأضرحة جزءًا من الذاكرة الروحية للمنطقة، وتعكس مكانة الأولياء في التراث الشعبي والديني المحلي.

وتنتشر في مداخل كافة المدن والقرى الجزائرية مقابر الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم لأجل حرية الوطن، وتُحاط بعناية الدولة، إذ تعلوها علامات تذكارية ونقوش تخلّد تضحياتهم. لا تقل هذه المقابر قداسة عن أضرحة الأولياء، ويمنحك مشهدها شعورًا مهيبًا بالجلال والوفاء، حيث يتآلف فيها التاريخ مع الأرض، وتبقى شاهدة على أن الحياة تمضي، لكنها لا تنسى من وهبوا لها المعنى.

وهكذا، أمضيت ثلاثة أسابيع في تيارت، لم تكن مجرد أيام تمضي، بل صفحات حيّة من تجربة عميقة تركت في القلب أثرًا لا يُمحى. أدركت أن قيمة الأسفار لا تُقاس ببعد الشقة ولا بطول المدة، بل بما تزرعه الرحلة في النفس من معانٍ وذكريات، وما تفتحه من نوافذ على التاريخ والناس والطبيعة. وتعلمت أن البحث عن عظماء مثل ابن خلدون لا يمر بالضرورة عبر صفحات الكتب وحدها، بل قد يقودك إلى مغارة منعزلة في سفح جبل، حيث تتولد الأفكار في عزلةٍ سامقة، بعيدًا عن صخب العالم… حتى وإن لم يعرفه شرطي المرور.

هذه هي تيارت، المدينة التي تجمع بين روح الإنسان وهمس الأرض وعبق التاريخ… مدينة تروي حكايات لم تُروَ بعد، وتفتح ذراعيها لكل من جاءها بشغف المعرفة وفضول الاكتشاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى