
توت قلواك مانمي: من مستشار الي مبعوث خاص
قبل كل شي عزيزي القارئ حين أكتب الان عن مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية السابق، توت قلواك مانمي والمْعيٌن حديثا مبعوثا خاص للشرق الأوسط فإنني ألتزم مبدأ الأمانة الصحفية، بعيداً عن أي مصلحة شخصية أو علاقة مباشرة به على الرغم من أن الكثيرين قد استفادوا من قربهم منه، إلا أنني لم تجمعني به مصلحة خاصة مستفاد منه، بل رأيت من واجبي المهني أن أسلط الضوء على جوانب شخصيته، بما لها وما عليها، لتقديم صورة متوازنة تعكس دوره المحوري في مشهد جنوب السودان.
وبعد …
لا شك أن مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الأمنية توت قلواك مانمي كان ولا يزال أحد أبرز الشخصيات السياسية المثيرة للجدل في جنوب السودان ، شخصية جمعت بين القوة والتأثير، وبين النقد والإشادة، وبين النجاح في المهام الموكلة إليه وبين ظلال الشكوك التي تحوم حوله و بعض سياساته.
على مدى عقدٍ كاملٍ من الزمن، أمسك توت بأحد أهم ملفات الدولة، وهو ملف الشؤون الأمنية، فمنذ أن تولى ملف الشؤون الأمنية، أظهر توت قدرة استثنائية على إدارة أكثر الملفات حساسيةً في الدولة ونجح في تشكيل شبكة علاقات إقليمية ودولية مكنته شخصيا ومن دعم مواقف جنوب السودان في قضايا مختلفة، وكان حاضراً ليس فقط كمسؤول حكومي، بل كوسيط ومفاوض كـ”مايسترو” يحرك بعض خيوط السياسة خلف الكواليس باسلوبه الخاص في احايين كثيرة ولا يمكن إنكار أن هذه الشبكة ساعدت الدولة على تجاوز محطات معقدة وتحقيق مصالح استراتيجية مع المحيط العربي .
إن هذه الشبكة الواسعة من العلاقات لم تكن مجرد أوراق دبلوماسية، بل تحولت إلى أدوات عملية استُخدمت في تقريب وجهات النظر وإحداث اختراقات في ملفات معقدة مثل المفاوضات مع المعارضة المسلحة الداخلية تحديد علي شريطنا الحدودي الأطول مع السودان كانت استشاكلا عرقل استقرار مناطق التماس وبفضل هذا الدور استطاع توت تقريب بعض القيادات المعارضة إلى مظلة الحركة الشعبية، وأسهم في إحراز تقدم على مسار السلام الداخلي وهو علي مسافة واحدة من الجميع.
لم يقتصر دور توت على الجانب الأمني فحسب، بل كان له تأثير كبير على تشكيل الحكومات المتعاقبة ما بعد انتكاسة ٢٠١٣م فقد أسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تعيين وزراء ووكلاء وقيادات في مختلف المؤسسات كان نفوذه واضحًا، حيث اعتمدت العديد من القيادات على دعمه أو توصياته للوصول إلى مناصبهم، بل هو طوق نجاة بعضهم ممن حار بهم الحال بعد اقالته وهو أمر لا ينكره إلا مكابر.
ورغم الانتقادات التي وجهت إليه بشأن المحاباة أو الإقصاء خارج إطار المؤسسات، فإن هذا الأمر ليس استثناءً في بيئة سياسية تشهد تداخلاً بين العلاقات الشخصية والمصالح العامة والقبيلة والمجموعات وتوت ليس استثناء كغيره من القيادات لم يسلم من هذا العطب لكنه استطاع أن يحافظ على موقعه كلاعبٍ رئيسي في الساحة الجنوبية لعقد من الزمان ويزيد .
كان لتوت دورٌ حيويٌ في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين خلال مفاوضات السلام بحكم علاقاته التاريخية والاجتماعية مع السودان، أسهم في تيسير الحوار بين الأطراف المتصارعة، حيث لعب دور الوسيط غير الرسمي احيانا و الذي يجمع بين العلاقات الشخصية والمصلحة المشتركة مع الجيش والدعامة وهو صديق الكل في الأزمة السودانية بمثابة الجوكر وقد نجح في احتواء عدد من قيادات المعارضة المسلحة وأصلح ما كان يعتقد ان سلام السودان حينها بسحره الخاص مادي كان أو قبول من رب العالمين المهم هو سحر يجمع بين الدبلوماسية غير الرسمية والوساطة العفوية، وتمكن من تيسير مفاوضات صعبة المراس وأسس لارضية ستظل محل حوار دائم من بعده بين الفرقاء السودانيين وكل ذلك لتحقيق بعضٍ من مطلوبات الرئيس كير بفاعلية.
اما ملف البترول وما ادراك مالبترول والجدل المرافق له ورغم الإنجازات التي ساهم في تحقيها في ملف البترول، لا تزال هناك بعض الشكوك تلاحقه بشأن عائدات النفط ومستحقاته وارتبط اسمه ب “الكرو أوييل” وهو برنامج الحكومة النفط مقابل التنمية واي تنمية… المهم انها وماتزال تثير تساؤلات عديدة و النقاش العام حول هذا الملف يعكس تعقيد العلاقة بين الموارد الطبيعية المهدرة والإدارة السياسية المغلوبة بامر التمردات المتكررة ولكل ثمنه ، خاصة في بلدٍ يعاني من تحديات أمنية و اقتصادية وسياسية مستمرة.
على الجانب الإنساني والاجتماعي، عُرف توت بمساهماته في دعم المجتمعات المحلية وحتي الاشخاص ويده الطولي في كل خير وملمة وداره مفتوح لكل فطاحلة البلد وفقراءهم وكل ذي حاجة لايرد لهم طلبا…
توت لم يبخل يوما حيث قدم العون والنصح والمشورة، وكان له دورٌ بارزٌ في حل النزاعات القبلية بين مجتمعاتنا وامير المجتمع المسلم في جنوب السودان وكبيرهم لم يدخر وسعا في الانشغال بامرهم بل ودعم رمضان بافطاره VIP الخاص في داره كل عام يسع الكل دون قيد او منع .
أما في المجال الفني هو العاشق للفن والجمال والرياضة وحلو الحديث لعب دوراً فريداً وشغل الاوساط بسماحة علاقاته بجميع الفنانين السودانيين بل وراعٍ في آنٍ واحد لعدد منهم بيننما كان دعمه للفنانين الجنوبيين المحليين محدودة ، خاصة أولئك الذين ينسجمون مع رؤيته الشخصية، جزءاً من استراتيجيته الاجتماعية والثقافية التي أثارت إعجاب البعض وانتقاد آخرين.
أثارت إقالة توت من منصبه مستشارًا للشؤون الأمنية، وتعيينه مبعوثًا خاصًا للرئيس لمنطقة الشرق الأوسط، موجةً من التكهنات. بعض التحليلات ربطت هذا القرار بقضية الشكاوى المقدمة من فنادق جوبا لمحكمة شرق إفريقيا، حيث طالبت بمستحقات تصل إلى 60 مليون دولار أمريكي عن خدماتها للجنة الوساطة التي كان يرأسها توت خلال مفاوضات سلام السودان وغيرها من مارثونات الملفات التي يديرها من مقارات داخل هذه الفنادق ومع ذلك يصعب الجزم بوجود علاقة مباشرة بين القضية والإقالة، خاصة أن هذه الأمور مؤسسية وليست شخصية.
ختامًا توت قلواك شخصية تحمل في طياتها الكثير من التناقضات لدي البعض فهو قائد أثبت جدارته في إدارة الملفات الصعبة، وفي الوقت نفسه واجه انتقادات حادة حول بعض قراراته وسياساته واسلوب حياته يمثل نموذجاً لقائدٍ جمع بين القوة والضعف، وبين الإنجازات التي يصعب إنكارها والانتقادات التي لا يمكن تجاهلها ، كُتب عنه الكثير وسيظل موضوع نقاش لما بعد هذا المقال خاصة في ظل وجهته الجديدة الشرق اوسطية ، لكن من المؤكد أن التاريخ سيذكر دوره كجزء من الحقبة السياسية الحرجة التي مرت بها جوبا، كان في قلب الأحداث خلال أكثر الفترات حساسية في تاريخ جنوب السودان، تاركاً خلفه إرثاً مليئاً بالتناقضات والسؤال الذي يطرحه الكثيرون اليوم: بعد أن عاش بريق السلطة وأوج تأثيره أي صفحة ينتظرها توت قلواك في مستقبله السياسي؟
أم أن صفحة الرجل قد طُويت مثل غيره من القيادات التي أكلت الشهد ثم وجدت نفسها على هامش السلطة؟
الاكيد ان …توت قلواك مانمي، رجلٌ عاش السلطة بكل زخمها ونعيمها ويتجه شرقا حيث (الريال والعقال)👌
#سلام_تاكم💐
#جنوب_السودان_أولا
#شكرا_ياجنوبي








