رأي

الأستاذ_ موسى داؤد .. يكتب: انسحاب إريتريا من «إيقاد»… شرخٌ في الجدار الإقليمي أم إعادة تموضعٍ سياسي؟

انسحاب إريتريا من «إيقاد»… شرخٌ في الجدار الإقليمي أم إعادة تموضعٍ سياسي؟

 

بقلم: الأستاذ/موسى داؤد

 

لم يكن إعلان إريتريا انسحابها من منظمة الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) مجرّد إجراءٍ بروتوكولي عابر، بل لحظةً كاشفة في مسار العمل الإقليمي بالقرن الأفريقي؛ لحظةٌ أزاحت الستار عن تصدّعاتٍ كامنة، وأعادت طرح سؤال الثقة في جدوى الأطر الجماعية التي وُلدت لتكون منصّاتٍ للتكامل، وفضاءاتٍ لإدارة النزاعات، وجسورًا نحو الاستقرار.

 

انسحابٌ محمّل بالدلالات السياسية

برّرت أسمرا خطوتها بأن «إيقاد» انحرفت عن حيادها، وتحولت—بحسب رؤيتها—إلى أداةٍ سياسية لا تُعبّر عن تطلعات شعوب المنطقة. وهو اتهامٌ يمسّ جوهر العمل المؤسسي، ويستحضر رؤيةً إريترية قديمة ترى بعض المنظمات الإقليمية رهينةً لاختلالات النفوذ، أكثر منها أطرًا للتعاون العادل والمتكافئ.

وهنا يطفو السؤال الجوهري: هل ما تزال «إيقاد» قادرة على أداء دور الوسيط المحايد، أم أنها انزلقت إلى مربّع الاستقطاب الذي يقوّض رسالتها؟

 

تداعياتٌ أمنية لا تُستصغر

أمنيًا، يُعد غياب إريتريا خسارةً ملموسة لمنظومة الإنذار المبكر وإدارة النزاعات في القرن الأفريقي، لا سيما وأنها فاعلٌ محوري في معادلات أمن البحر الأحمر، وتتشابك حدودها مع إثيوبيا والسودان.

ويُضعف الانسحاب فرص التنسيق الجماعي في مواجهة تهديداتٍ عابرة للحدود—من الإرهاب والقرصنة إلى الهجرة غير النظامية—كما يعزّز الميل نحو ترتيباتٍ أمنية خارج الأطر الإقليمية، وهو مسارٌ محفوف بالمخاطر في إقليمٍ هشّ الاستقرار بطبيعته.

 

الاقتصاد والتنمية… كلفة الغياب

اقتصاديًا، لا تقلّ التداعيات خطورة؛ فـ«إيقاد» تشكّل قناةً أساسية لتنسيق مشاريع البنية التحتية، والأمن الغذائي، ومواجهة التغير المناخي. وقد يحدّ انسحاب إريتريا من فرص استفادتها من التمويل الدولي المرتبط غالبًا بالتكامل الإقليمي، ويضعف التخطيط المشترك لمعالجة أزمات الجفاف والتصحر المتفاقمة.

وفي المقابل، تخسر «إيقاد» دولةً ساحليةً محورية كان بوسعها تعزيز الربط البحري والتجاري، وتوسيع أفق التكامل الاقتصادي.

 

أزمة «إيقاد»… ما وراء الخلاف

القراءة الأعمق تشير إلى أن قرار أسمرا يعكس أزمةً بنيوية داخل «إيقاد» أكثر مما هو خلافٌ عابر؛ أزمةُ إصلاحٍ مؤجّل، وآلياتِ قرارٍ واهنة، وتأثّرٍ بتجاذباتٍ سياسية تُربك الأداء المهني. فالمنظمات الإقليمية لا تُقاس بفيض البيانات، بل بقدرتها على بناء الثقة—وهي عملةٌ تبدو اليوم متآكلة في تجربة «إيقاد».

 

إلى أين يتجه القرن الأفريقي؟

يندرج الانسحاب ضمن سياقٍ أوسع لإعادة تشكّل النظام الإقليمي، حيث تميل بعض الدول إلى تفضيل التحالفات الثنائية والمرنة على العمل متعدد الأطراف. غير أن هذا النهج، رغم ما يمنحه من هامش سيادة، يعجز عن معالجة الأزمات العابرة للحدود التي لا تعترف بالجغرافيا السياسية.

 

خاتمة

في المحصلة، لا يمثّل انسحاب إريتريا نهايةَ دور «إيقاد» بقدر ما هو جرسُ إنذارٍ مدوٍّ. فإمّا مراجعةٌ جادّة تُعيد الاعتبار للحياد والتوازن المؤسسي، أو استمرارُ تآكلٍ بطيء يُفقد المنظمة وزنها الإقليمي.

أما القرن الأفريقي، فلا يحتمل مزيدًا من الانقسامات؛ إنه بحاجةٍ ماسّة إلى أطرٍ جامعة تُحوّل التنوع إلى قوة، والخلاف إلى حوار، والأزمات إلى فرصٍ للاستقرار والتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى