أمدرمان… سيرةُ المجد حين ينهض الوطن من بين الرماد

أمدرمان… سيرةُ المجد حين ينهض الوطن من بين الرماد
الأستاذ: موسى داؤد – كاتب ومحلل سياسي
في قلب التاريخ السوداني، حيث تتعانق الذاكرة الوطنية مع نبض الحاضر، تقف أمدرمان شامخةً كأنها قصيدةُ مجدٍ لا تنتهي، وكأنها سِفرٌ مفتوحٌ تُقرأ في صفحاته بطولات الرجال وتضحيات الأوفياء. ليست أمدرمان مجرد مدينةٍ في جغرافيا العاصمة، بل هي روحٌ جمعيةٌ، وضميرُ أمةٍ، ومهدُ إرادةٍ لا تنكسر. ومن على أرض وادي سيدنا، في فجر الخامس عشر من أبريل، انطلقت لحظةٌ فارقةٌ في تاريخ الدولة، لحظةٌ امتزج فيها القرار العسكري بالحساب الاستراتيجي، والواجب الوطني بنداء البقاء.
هناك، وقف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في مواجهة عاصفةٍ عاتيةٍ، لم تكن مجرد تمردٍ مسلح، بل مشروع فوضى أراد أن يقتلع الدولة من جذورها. لم يكن الموقف ترفاً سياسياً، ولا مناورةً تكتيكية عابرة، بل كان خياراً وجودياً بين دولةٍ تتماسك ومليشياتٍ تتمدد، بين مؤسسةٍ وطنيةٍ تحرس الكيان، وقوى مسلحة تسعى لفرض واقعٍ خارج منطق الشرعية والسيادة.
منذ اللحظة الأولى، بدا المشهد أشبه باختبارٍ قاسٍ لإرادة القيادة وصلابة المؤسسة العسكرية. لم تكن المواجهة متكافئةً من حيث الانتشار المفاجئ للمليشيات ولا من حيث تعقيد المشهد الداخلي وتشابك المصالح الإقليمية، غير أن الثبات كان هو العنوان الأبرز. صبرٌ استراتيجي، امتصاصٌ للصدمات الأولى، إعادةُ تموضعٍ مدروس، ثم انتقالٌ تدريجيٌ من الدفاع إلى استعادة زمام المبادرة. وهكذا تحولت المعركة، في ميزان السياسة قبل الميدان، من محاولة كسر الدولة إلى إعادة تثبيت أركانها.
في خطابه، لم يتحدث البرهان بلغة المنتصر المتعالي، بل بلغة القائد الذي يدرك كلفة الحرب ومعنى الدم. حيّا أهل أمدرمان، شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساءً، الذين صبروا تحت وطأة الرصاص وانقطاع الخدمات، وحملوا الوطن في قلوبهم كما يحمل المؤمن عقيدته. استدعى أرواح الشهداء، مؤكداً أن دماءهم ليست رقماً في سجل الصراع، بل عهدٌ أخلاقيٌ وسياسيٌ يحتم استكمال الطريق حتى تستعاد الدولة كاملة السيادة.
ومن زاويةٍ استراتيجية، حملت كلماته رسائل متعددة الأبعاد. أولها أن أي وقفٍ لإطلاق النار لا يمكن أن يكون هدنةً تمنح المليشيات فرصة لإعادة التموضع، بل يجب أن يقوم على انسحابٍ واضحٍ من المناطق التي تم احتلالها وتجميعٍ منضبطٍ للقوات في مواقع محددة، تحت رقابةٍ وسيادة الدولة. وثانيها أن القرار الوطني لا يُصاغ في العواصم البعيدة، بل يُنتج في قلب المعاناة الوطنية، وأن السيادة ليست شعاراً خطابياً، بل ممارسة عملية ترفض أي دعمٍ خارجيٍ يغذي التمرد ويطيل أمد الحرب.
كما أشار إلى استكمال مسار الانتقال السياسي وتشكيل المجلس التشريعي، في محاولةٍ لردم الفجوة بين البندقية والعملية السياسية، وبين ضرورات الأمن ومتطلبات الحكم المدني. هنا تتجلى الرؤية الأعمق: فالمعركة ليست عسكريةً صِرفاً، بل هي صراعٌ على شكل الدولة القادمة. دولةٌ تستوعب شباب ديسمبر 2019، ولجان المقاومة، والقوى المدنية التي لم تتورط في حمل السلاح، وتعيد تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع على أساس الشراكة في حماية الوطن لا التنازع على سلطته.
إن قراءة هذا المشهد بمعزلٍ عن تعقيداته الإقليمية والدولية قراءةٌ ناقصة. فالسودان، بموقعه الجيوسياسي وموارده وحدوده المترامية، ليس ساحةً داخليةً فحسب، بل تقاطع مصالح ومحاور. لذلك فإن تثبيت السيادة الوطنية، ورفض أي تدخلٍ منحاز، يمثلان حجر الزاوية في أي استراتيجية خروجٍ آمن من الحرب. فلا سلام بلا احتكارٍ شرعيٍ للسلاح، ولا انتقال سياسي بلا دولةٍ قائمةٍ على مؤسساتٍ لا على مليشيات.
أمدرمان اليوم ليست مجرد مسرحٍ للأحداث، بل رمزٌ لصمود المجتمع في وجه التفكك، ودليلٌ على أن المدن العريقة لا تسقط بسهولة، لأنها مسنودةٌ بتاريخٍ من المقاومة والوعي الجمعي. وما بين هدير المدافع وهمس الأمهات في البيوت، يتشكل وعيٌ جديدٌ بمعنى الدولة، ومعنى الانحياز للوطن حين تتداخل الخطوط وتختلط الشعارات.
إن كلمات البرهان، في سياقها السياسي والاستراتيجي، ليست خطاباً عابراً، بل إعلانُ مرحلةٍ تُعاد فيها صياغة التوازنات، وتُختبر فيها قدرة القيادة على تحويل المحنة إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسسٍ أكثر صلابة. وبين الدم والتضحية، بين الألم والأمل، تظل أمدرمان شاهدةً على أن الأمم التي تعرف قيمة أرضها، وتؤمن بعدالة قضيتها، قادرةٌ على أن تكتب تاريخها بمداد الصبر، وأن تحوّل العاصفة إلى بدايةٍ لصفحةٍ جديدة من المجد الوطني.








