حسن موسى يوسف يكتب : السكانُ وَالتنْمِيَة فِي السودان.. التحَوُّل مِنَ الصِّرَاعِ عَلَى السلْطَةِ إِلَى العُدْوَانِ عَلَى المُوَاطِنِ

التحَوُّلُ المُر: مِنْ دَهَالِيزِ السِّيَاسَة إِلَى صُدُورِ العُزَّل
لَمْ تَكنِ الخَرْطُوم في أبْرِيلَ مِنْ عَامِ 2023م مُجَرد مَسْرَح لِصِرَاع سِيَاسي انْتِقالي وَعَابِر، بَلْ كَانَتْ نُقْطَة تَحَول قَاسيَة انْقَشَعَ فِيهَا الضَبَاب عَنْ مُؤَامرة دَوْلِية امْتَدتْ خُيُوطُهَا لِتَتَجَاوز التخْطيطَ التقْلِيدِي الداخِلِي لِاسْتِلَامِ السُلْطَةِ، وَتَتَحَولَ بِتَدْبِيرٍ دَوْلِي وَإِقْلِيمِي مَاكِرٍ إِلَى اعْتِدَاء مُبَاشِر وَمُمَنْهَجٍ يَسْتَهْدِفُ الإِنْسَانَ وَالتنْمِيَة مَعاً. هَذَا التحَولُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَصْعِيد عَسْكَرِي عَابِرٍ أَوْ صِرَاع سِيَاسِي مُؤَقت، بَلْ كَانَ مِرْآة عَاكِسَة كَشَفَتْ بِكَثِيرٍ مِنَ الجَلَاءِ وَالوُضُوحِ عَنْ بَشَاعَةِ الأَهْدَافِ، وَضَخَامَةِ الوَسَائِلِ، وَتَعَدُدِ الأَطْرَاف القائِمَة عَلَيْهِ، سَوَاءً مِنْ سَمَاسِرَةِ الثرْوَةِ في الدَّاخِلِ أَوِ الطَامِعِينَ فِيهَا مِنَ الخَارِجِ.
وَحِينَ يَتَحَول النزَاع مِنْ صِرَاعٍ عَلَى كَرَاسِي الحُكْمِ إِلَى عُدْوَانٍ سَافِرٍ يَطْحَنُ المُوَاطنَ البَسِيطَ فِي رَحَاهُ، فَإِنهُ يَضَعُنَا أَمَامَ وَقْفَة تَأَمُّل وُجُودِية تَدْفَعُنَا لِلتفْكِيرِ مَلِيّاً فِي مَسِيرَةِ وَمُسْتَقْبَلِ السُكانِ وَالتنْمِيَةِ فِي هَذَا البَلَدِ الجَرِيحِ. إِنهَا مَسِيرَة تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا ثُنَائِية مُتَلَازِمَة؛ ثُنَائِيةَ الإِنْسَان وَالأَرْضِ، أَوِ السُكانِ وَالتنْمِيَةِ أَوِ الُوُجُودِ وَالنَّمَاءِ. وَهِيَ ثُنَائِية، قَلَّ مَا يُدْرِكُهَا السِيَاسِيونَ، مُتَجَذِرَة فِي عُمْقِ التَّارِيخِ السودَانِي وَتَطَوَّرَتْ عَبْرَ القُرُونِ إِلَى وَقْتِنَا الحَالي وَسَوْفَ تَنْمُو وَتَزْدَهِرُ فِي المُسْتَقْبَلِ. فَمَا هِي هَذِه الثنَائِية الأَصِيلَةُ؟ وَكَيْفَ نَبَتَتْ جُذُورُهَا وَتَطَورَتْ؟ وَمَا هِيَ انْعِكَاسَاتُهَا عَلَى الحَاضِرِ المَأْزُومِ وَالمُسْتَقْبَلِ الوَاعِدِ المَجْهُولِ؟
جُذُورُ التآمُرِ الدَّوْلِي: طَمَعُ الطَّامِعِينَ فِي أَرْضِ الكُرَمَاءِ الطَيبِينَ
إِنَّ وَاهِماً مَنْ يَظُنُّ أَن السودَانَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالعُدْوَانِ، أَوْ أَن التآمُرَ عَلَى سُكانِهِ وَمُقَدَّرَاتِهِ التنْمَوِيةِ هُوَ وَلِيدُ اللَّحْظَةِ الراهِنَة. كَمَا أَنهُ مِنَ الوَهْمِ بِمَكَان الِاعْتِقَادُ بِأَن مُسْتَقْبَلَ أَرْضِ النيلِ يُمْكِن أَنْ يَنْعَقِدَ أَوْ يَسْتَقِيمَ عَبْرَ فَكِ الِارْتِبَاط بَيْنَ هَذَيْنِ القُطْبَيْن: الإِنْسَانِ وَالأَرْضِ، أَوِ السُكانِ وَالتنْمِيَةِ، أَوِ الإِنْسَانِ وَرَفَاهِيَتِهِ.
وَإِذَا مَا اسْتَنْطَقْنَا صَفَحَاتِ التَّارِيخِ، قَدِيمِهِ وَالحَدِيث، لَوَجَدْنَا أَنَّ أَنِينَ المُوَاطِنِ السودَانِي مُمْتَد فِي غَيَاهِبِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ. فَلَطَالَمَا تَكَرَرَتْ فُصُولُ التآمُر وَالعُدْوَان عَلَى هَذِهِ الرقْعَةِ الجُغْرَافِيَّةِ المُبَارَكَة الثريَّةِ؛ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِهْدَاف عَبَثاً، بَلْ كَانَ مَدْفُوعاً بِبَرِيقِ الطَمَعِ فِي أَرْضِ النيلِ الرحْبَةِ المِعْطَاءَة؛ تِلْكَ الأَرْضِ الغَنِيَّة بِرُوحِ رِجَالِهَا الأَشِدَّاءِ الشُجْعَانِ الذِينَ صَهَرَتْهُمُ الأَيامُ عَلَى قِيَمِ العِزَّةِ وَالأَنَفَةِ وَالكَرَامَةِ، وَالزاخِرَةِ بِثَرَوَاتِهَا الطَبِيعِية المُتَعَدِدة، وَمَوَارِدِهَا المَعْدَنِيةِ النفِيسَةِ الكَامِنَةِ عَلَى سَطْحِهَا وَفِي أَحْشَائِهَا.
أُفُقُ المُسْتَقْبَلِ: جَدَلِيَة البَقَاء وَالنمَاء
إِنَّ هَذَا العُدْوَانَ الذِي نَرَاهُ مُنْذُ أَبْرِيلَ 2023م، وَإِنْ بَدَتْ أَدَوَاتُهُ وَوَسَائِلُهُ حَدِيثَة وَفَتاكَة، مَا هُوَ إِلا حَلْقَة جَدِيدَة مِنْ مُسَلْسَلٍ قَدِيمٍ لِاسْتِنْزَاف ثَرَوَات السودَان وَمَوَارِدِهِ الطَبِيعِيةِ وَالمَعْدَنِيةِ الثَّمِينَة وَكَسْرِ شَوْكَةِ إِنْسَانِهِ. غَيْرَ أَنَّ التارِيخَ نَفْسَهُ الَّذِي يُحَدِّثُنَا عَنْ حَجْمِ المُؤَامَرَاتِ وَبَشَاعَتِهَا، يُبَشرُنَا أَيْضاً بِصَلَابَة هَذِه الأَرْض وَمُقَاوَمَة أَهْلِهَا لِلتآمُرِ وَالعُدْوَان.
لَابُدَّ إِذَنْ مِنَ الوَعْيِ وَالإِدْرَاك أَنَّ مُسْتَقْبَلَ السُّودَان لَا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهُ فِي تَسْوِيَات سِيَاسِية هَشَة يَتِمُّ صُنْعُها فِي الخَارِجِ أَوِ الدَاخِلِ، بَلْ يَكْمُنُ فِي حِمَايَةِ تِلْك الثنَائِية المُتَلَازِمَةِ: صَوْنِ كَرَامَةِ المُوَاطِنِ (السُكانِ)، وَإِحْيَاءِ مُقَدَّرَات الأَرْضِ (التنْمِيَةِ). فَبِدونِ إِنْسَان سُودَانِي آمِنٍ وَعَزِيزٍ وَمُكَرَّمٍ، لَا يُمْكِنُ لِنَهْرِ التنْمِيَةِ أَنْ يَفِيضَ وَيَتَدَفقَ، وَبِدُونِ تَنْميَة حَقِيقِية، سَيَبْقَى البَشَرُ فِي السُّودَانِ عُرْضَةً لِعَوَاصِفِ الغَدْرِ وَالتآمُرِ وَالفَقْرِ.
وَمِنْ وَسَطِ هَذَا الرُّكَامِ الَّذِي أَحْدَثَهُ التَّآمُرُ، تَظَلُّ أَرْضُ النيلِ قَادِرَةً عَلَى تَجْدِيدِ دِمَاءِ سُكانِهَا وَتَنْمِيَتِهَا، شَرِيطَةَ أَنْ تَرْتَكِزَ عَلَى سَوَاعِدِ أَبْنَائِهَا الشَبَاب الأَشِدَاءِ والخُبَرَاءِ وَالعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمُ الثَّرْوَةُ البَشَرِيَّةُ الحَقِيقِيةُ قَبْلَ الذَّهَبِ وَالزَّرْعِ وَالحَيَوَانِ. وَلَابدَّ مِنْ تَفْعِيلِ الشرَاكَاتِ الثنَائِيةِ وَالمُتَعَدِدَةِ لِلسُكانِ وَالتنْمِيَةِ وَمُحَارَبَةِ الفَسَادِ بَدَلاً عَنِ الفُسُوقِ وَالتآمُرِ وَالعُدْوَانِ.
بقلم: حسن موسى يوسف
التاريخ 5: يوليو 2026
المكان: أديس أبابا، إثيوبيا








