رأي

د. جمال سليمان.. يكتب : قبسٌ من توهّج: في الذكرى الأولى لرحيل توأم الروح أبو القاسم قور

 

د. جمال سليمان.. يكتب : قبسٌ من توهّج: في الذكرى الأولى لرحيل توأم الروح أبو القاسم قور

ما أصعب أن أطلب من قلمي أن يكتب عنك في ذكرى رحيلك الأولى نعم تحدثنا عن هذا قبل رحيلك وسألتني ماذا سأكتب عنك حينها قلت لك أنت مت الأول وحينها أنا أعرف جيدا ماذا أقول …

وضحكنا عاليا سخرية من الموت هل رأيت هذه اللحظة منذ أعوام خلت ايها العرفاني الكشاف ….؟ اليوم اكتشف أنك لست مجرد أستاذ أو زميل بل كنت فعلا توأما للروح ورفيق درب وشريكا فاعلا مع الزميل الدكتور عاطف عجيب في تأسيس الحلم

كيف ترثي يا دكتور عاطف من سافرنا معه في ربوع السودان وغزونا معا العالم بالفكر وجلسنا معا نخطط للدراما من أجل ثقافة السلام منذ العام ألفين حتى غدت الفكرة معهدا شامخا كيف لي ان أرثي رجلا كان يمتطي ثور الفكرة بين بابنوسة والخرطوم والقاهرة ودار السلام وجوهانسبرج وهونغ كونغ واشنطن وسياتل ويطوع منطق أرسطو الصوري بإيقاع المردوم في احتفالية المسرح التنموي أو منظومة الدراما من أجل ثقافة السلام؟

عام مضى يا صديقي وأخي أبو القاسم عام كامل وجسدك الذي لم يكن يليق إلا بتراب الميرم والتبون وابيي ينام في أرض غريبة لكن روحك التي سكنت القطية والسمبرية وابتسامة الأطفال ما زالت تطوف بيننا وترحل معنا من فكرة الي فكرة

كيف أقف اليوم لأقول كلمات في ذكرى رحيلك وأنا الذي ما زلت أسمع ضحكتك العالية وأنت تسخر من جمود الأطر والمفاهيم الغربية كيف أطوي عاما من الفراغ ونحن الذين قطعنا فجاج الأرض معا ارتحلنا في ربوع السودان الحبيب شرقا وغربا وحملنا رسالة الفكر والفن خارج حدود الوطن ندعوا للسلام ونزرع الأمل بالدراما والكلمة

لقد كنت كما كتب صديقك الدكتور قسم الله الصلحي قبسا من التوهج متمردا على ضيق المنطق الصوري لأنك علمتنا أن الدراما ليست نصوصا جامدة على الورق بل هي نبض الحياة والطين ورائحة الأرض بعد المطر( الدعاش ) كنت تجريبيا أصيلا تزاوج بين رحلة على ظهر ثور بين أهلك وبين أروقة ومنابر الفلسفة والنقد في منابر الجامعات والمؤسسات الثقافية

اليوم وأنا أتأمل كتابك الشاهق ثقافة السلام والمسرح التنموي مقاربات الدراما من التطهير إلى التحمل أجد مصداق ما كتبه الدكتور فضل الله فقد كنت وما زلت كبير أساتذة النقد والمشرب الأول الذي استقت منه أجيال مفهوم التفكير النقدي لم تكن تنظر للدراما كوسيلة للتسلية أو التطهير المقنع بل كأداة تحول مجتمعي تضمد جراح الوطن وتصنع السلام ومن هنا نهل ربيع يوسف حتي ارتوينا جميعا رفقة يوسف أرسطو ودكتور جاستن جون شازلي وياسر وآخرون كثر لا سيما ايمان وإيمان ومها طبيق

وكيف لا تكون كذلك وأنت الذي سجلت شهادتك لله ورسوله أستاذ النقد المسرحي والفلسفة وثقافة السلام بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حين قلت شهادتي لله ورسوله أنا أبو القاسم قور حامد اليوم لاجئ وقفت طيلة حياتي ضد حروب السودان وعملت طيلة حياتي الأكاديمية بالسودان في حقل تعليم ثقافة السلام ونبذ العنف وقفت ضد الحرب في منطقة أبيي بين المسيرية والدينكا فأصدرت كتابي أبيي مستقبل السلم والنزاعات وضحت فيه موقفي ودعوتهم لنبذ العنف والتعايش السلمي ثم وقفت ضد حرب الشمال والجنوب في السودان وأصدرت كتابي ثقافة السلام ومسرحية ثلاثية الحرب المرفوضة بالإنجليزية هذه الحرب ليست حربنا سخرت فيها عن ممارسة أرجوزة أو أكذوبة عرس الشهيد على الأرض بوصفها مأسسة لواقعية الغيب فالشهيد عرسه في الجنة وليس على الأرض واليوم وقفت ضد الحرب الدائرة الآن في السودان لأن في النهاية الكل خسران وعبرت عنها في روايتي التي شارفت على النهاية بعنوان خراب بارفوسيك وموت الجدة ترفانة لذلك أعيد اليوم دعوتي لنبذ العنف والحرب والتي نشرتها لأول مرة عام ألفين وأربعة كمقدمة لكتابي ثقافة السلام عام ألفين وأربعة وتقول كنت أحس بدنو بشرى السلام يومئذ ستذهب الحرب إلى مزبلة التاريخ لأن تاريخ السودان صنعه الكرماء المتسامحون الشجعان المتعاضدون سيأتي يوم يبرز فيه أبطال السلام لينزعوا السلاح والعنف من تاريخ السودان ويفشون بدلا عنه ثقافة السلم وقيم التسامح وقبول الآخر حينها سيعلم الكل تلك الحقيقة القاطعة ما الحرب إلا خيار العاجزين الحرب مثل محيط بلا قاع يبتلع كل شيء بلا تمييز في زمن الحرب تذبل الورود ويعم القبح والفقر والفشل الذهني أما في زمن السلم تتفتح البراعم ويصير كل شيء جميلا ويزداد الرخاء وتنشط المبادرات ونحن جميعا علي هذا شاهدون.

يا صديقي ويا شريك التأسيس عندما وقفنا معا في عام ألفين لنغرس النواة الأولى لمشروع الدراما من أجل ثقافة السلام لم نكن نحلم فقط بمركز أو معهد بل كنا نحلم بوطن يتعافى بالفن واليوم والمعهد يقف شامخا أعدك بأن الإرث الذي تركته لن يندثر إن سنين السفر وساعات النقاش والأحلام التي حلمناها في الحل والترحال لم تكن مجرد ذكريات بل هي منهج حياة وقبلة فكرية نهتدي بها.

يا قور لم تكن تنوي الرحيل قبل الوداع لكنك سبقتنا إلى الأرض التي تحبها روحك وإن كنا لم نشيعك بما يليق بالأصدقاء يومها وانا بين الحضور مشيعا غير مصدق هذا الرحيل يقف يميني الاستاذ دفع الله الحاج ويساري العميد محمد حامد وأمامنا علي مقربة من الناس محمد ومنتصر وسامر

فإننا اليوم نشيع في أنفسنا كل عجز ونحمل رمح حروفك وفكرك لنكمل الطريق سلام عليك في ذكرك الأول سلام على روحك التي استقرت حيث ينزل المطر وللقمح بعد حصاد عمرك الفكري والإنساني كل التحية والإجلال لك ولشقيقك محمد قور حامد

د جمال سليمان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى