موسى داؤد يكتب : الفاشر.. حين أُغلقت أبواب الحياة

لم تسقط الفاشر في لحظة واحدة؛ فقد كان الحصار ينهشها يوماً بعد يوم، حتى صار الجوع حصاراً آخر، والعطش سلاحاً، والمستشفى ملجأً للخوف، والطريق إلى النجاة طريقاً إلى المجهول.
ثمانية عشر شهراً من الحصار تركت المدينة أمام كارثة إنسانية موثقة؛ فقد تحدثت الأمم المتحدة عن قتل وتهجير وتعذيب وعنف جنسي واختفاء قسري، وعن تجويع وظروف معيشية فُرضت على المدنيين، قبل أن تأتي اللحظة الأخيرة في أكتوبر 2025.
ثم جاء يوم السقوط؛ فلم يكن سقوطاً عسكرياً فحسب، بل انفجاراً للمأساة. ففي الأيام الأولى للهجوم الأخير، وثقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من ستة آلاف شخص، بينهم آلاف قتلوا داخل المدينة وآخرون على طرق الفرار، كما وثقت عمليات قتل وإعدام ميداني واستهدافاً لمدنيين أثناء محاولتهم النجاة.
وهنا تتجلى فداحة المشهد: المكان الذي يُفترض أن يحمي الإنسان صار مكاناً لموته؛ والجامعة مأوىً ثم مقبرة، والمرافق الصحية ملاذاً ثم هدفاً، والطريق إلى الخارج أملاً ثم كميناً.
وفي قلب هذه اللحظات الدامية برز اسم أبو لولو، الذي أدرجه مجلس الأمن الدولي في قائمة العقوبات، وذكر في أسباب الإدراج اتهامات موثقة بضلوعه في أعمال قتل وإعدام لمدنيين في الفاشر.
لكن مأساة الفاشر أكبر من اسم رجل، وأكبر من مشهد جريمة؛ فهي، وفق بعثة تقصي الحقائق الدولية، ارتبطت بنمط واسع من القتل والعنف الجنسي والتعذيب والتهجير والنهب والاستهداف القائم على الهوية، في سياق حصار أنهك المدنيين وأفقدهم أبسط مقومات الحياة.
لقد سقطت الفاشر، ولكن الذي انكشف يوم سقوطها كان أكبر من سقوط مدينة؛ انكشف وجه حربٍ حين تفقد ضميرها، فلا تكتفي بقتل الإنسان، وإنما تطارده في خبزه ومائه ودوائه ومأواه، ثم تطارده حتى في الطريق الذي يظنه طريقاً إلى النجاة.
وستبقى الفاشر في ذاكرة السودان لا بوصفها مدينةً سقطت، وإنما بوصفها شاهداً على ثمنٍ باهظ دفعه المدنيون وحدهم.
فالموت قد يطوي صفحة الإنسان، لكنه لا يطوي الحقيقة؛ والدم الذي سال في الفاشر سيظل شاهداً على أن للظلم أثراً، وللضحايا ذاكرة، وللعدالة موعداً لا ينبغي أن يتأخر.








