بروفيسور بكري موسي عبد الكريم يكتب :بين إعادة الإعمار وإعادة التعمير

منذ أن بدأت مجريات الحرب تتجه نحو الحسم، وبات انتصار الإرادة السودانية على الغزاة وشيكًا، نشطت الأقلام وتعالت الأصوات في وسائل الإعلام المحلية والدولية بالمقترحات والخطط الجيدة حول إعادة إعمار ما دمره الغزو، واستعادة ما فقدته البلاد من بنى تحتية. فقد خلفت الحرب دمارًا واسعًا، طال المدن والقرى، وعرقل عجلة التنمية، مما يجعل إعادة الإعمار أولوية قصوى في المرحلة القادمة.
غير أنني، في هذا المقال، أود لفت الانتباه إلى مفهوم جديد أطرحه تحت مسمى “إعادة التعمير”، وهو مصطلح اخترعته ليميز نفسه عن المفهوم التقليدي المعروف بـ “إعادة الإعمار”.
فبينما يُعنى إعادة الإعمار بإصلاح البنية التحتية للدولة، مثل الطرق، الكهرباء، المياه، الاتصالات، المدارس، والمستشفيات، وهي المرافق الأساسية التي تحتاجها المجتمعات للعمل بفعالية، ويُعد إصلاحها ضروريًا للتنمية وتحسين جودة الحياة، فإن إعادة التعمير تتوجه بشكل أساسي نحو إعادة تأهيل الممتلكات الشخصية. ويشمل ذلك ترميم وإصلاح المنازل المتضررة جزئيًا أو كليًا بسبب النهب أو القصف أو التخريب المتعمد من قبل الغزاة، بما في ذلك الأساسات، الجدران، الأسقف، الأبواب والنوافذ، لضمان صلاحية السكن من جديد.
كما يتضمن إعادة التعمير تعويض الأسر عن فقدان الأثاث والمقتنيات الخاصة مثل الأسرة، الكراسي، الطاولات، الفرش، الخزائن، إضافة إلى الأجهزة المنزلية الضرورية كالثلاجات، المواقد، الأواني المنزلية، الغسالات، وأجهزة التبريد. ويشمل التعويض أيضًا المقتنيات الشخصية مثل الحواسيب، الأدوات الدراسية، والملابس الأساسية. وبالجملة، كل محتويات البيوت التي هُجّر منها أهلها قسراً بسبب الحرب.
ويهدف إعادة التعمير إلى تمكين الأسر المتضررة من العودة إلى منازلها واستعادة الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم وتحقيق الاستقرار المعيشي والحياتي بعد العودة من النزوح.
إلى جانب كونه عملية إصلاح مادي للمنازل والمنشآت المتضررة، يُعد إعادة التعمير خطوة جوهرية في مسار التعافي المجتمعي بعد الحرب. فهي تتعلق بتجديد وإصلاح المساكن والبنية السكنية المحيطة لضمان استعادة الظروف المعيشية اللائقة للأسر المتضررة، مما يمكنها من العودة إلى حياتها الطبيعية والشعور بالأمان والاستقرار.
وتشمل إعادة التعمير عدة محاور أساسية، أولها ترميم المنازل بإصلاح الأضرار التي لحقت بالمباني، سواء كانت هيكلية أو جزئية، لضمان صلاحيتها للسكن وتوفير بيئة آمنة وصحية للعائلات. ويشمل التعمير أيضًا إعادة تأهيل المرافق الأساسية داخل المنازل مثل خزانات المياه، شبكات الصرف الصحي، ودورات المياه، لضمان معايير النظافة والصحة العامة.
وتشمل أيضًا إعادة التعمير تعويض الخسائر وجبر الضرر بتقديم الدعم المالي أو توفير بدائل للأسر التي فقدت ممتلكاتها من أثاث وأجهزة منزلية ومركبات، مما يساعد في تخفيف الأعباء المالية وإعادة تأهيل منازلهم بشكل مناسب.
ويعرّف الحقوقيون جبر الضرر بأنه مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تعويض الأفراد أو الجماعات عن الأضرار التي لحقت بهم، سواء كانت مادية أو معنوية، وذلك لتحقيق العدالة والإنصاف وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
لا تقتصر إعادة التعمير على البناء المادي فقط، بل تشمل أيضًا ضمان عودة الأسر إلى منازلها ضمن معايير تحفظ كرامتها، وتوفر لها الأمن الاجتماعي والنفسي، مما يساهم في إعادة بناء الروح المجتمعية.
وتشمل إعادة التعمير كذلك توفير الأمن المجتمعي والحماية المدنية ومحاصرة المظاهر السالبة والتفلت الأمني.
إن إعادة التعمير ليست مجرد جدران تُرمّم، بل هي استعادة للحياة بكل مظاهرها وتفاصيلها، من البيئة المنزلية إلى البنية التحتية السكنية، مما يمهد الطريق لتعافي المجتمع بأكمله وعودته إلى وضعه الطبيعي.
وخلال العقود القليلة الماضية، واجهت العديد من الدول تحديات كبيرة في إعادة التعمير بعد الحروب أو النزاعات أو الكوارث الطبيعية. وتكشف التجارب الدولية عن ضرورة اتباع نهج شامل لا يقتصر فقط على إعادة بناء البنية التحتية، بل يشمل تأهيل المنازل وتعويض الأسر لضمان استعادة الحياة الطبيعية والاستقرار الاجتماعي. فيما يلي بعض التجارب البارزة:
• رواندا: نموذج للنهضة بعد الإبادة الجماعية (1994)
• ساحل العاج: إعادة التعمير بعد الحرب الأهلية (2002-2011)
• الجزائر: التعافي من الإرهاب ومرحلة المصالحة الوطنية (1990-2000)
• لبنان: إعادة التعمير بعد الحروب والنزاعات (1975-2006)
• فلسطين: إعادة بناء المنازل وسط النزاعات المستمرة
• المغرب: نموذج للتعامل مع الكوارث الطبيعية
• ليبيا والعراق: تحديات إعادة التعمير وسط الأزمات المستمرة
الدروس المستفادة من التجارب الدولية
تكشف هذه التجارب أن إعادة التعمير ليست مجرد عملية هندسية، بل هي نهج شامل يتطلب تخطيطًا استراتيجيًا، ودعمًا ماليًا كبيرًا، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود التعافي. كما أن سرعة الاستجابة، والشراكات بين الحكومات والمنظمات الدولية، تلعب دورًا أساسيًا في نجاح هذه الجهود. في السودان، ومع اقتراب نهاية الحرب، يمكن الاستفادة من هذه النماذج لوضع سياسات تعمير مستدامة تعيد للمواطنين إحساسهم بالأمان والكرامة.
لقد أفقرت الحرب جميع شرائح المجتمع السوداني، فلم يعد هناك فرق كبير بين الفقراء والأغنياء، إذ فقد الجميع الكثير وأصبح معظم المواطنين بحاجة إلى المساعدة لإعادة تعمير منازلهم واستعادة حياتهم الطبيعية. وهنا يأتي دور كل من الحكومة والمنظمات الدولية وهيئات الإغاثة كعوامل رئيسية في إنجاح عملية إعادة التعمير، حيث يتطلب التعافي جهودًا منسقة ومتكاملة لضمان تحقيق نتائج مستدامة تعيد الاستقرار والحياة الكريمة للمواطنين.
دور الحكومة في إعادة التعمير
تتحمل الحكومة مسؤولية وضع سياسات واضحة وفعالة لضمان إعادة التعمير بشكل عادل ومنظم. يجب أن تتبنى نهجًا شاملًا يأخذ في الاعتبار احتياجات المواطنين الأكثر تضررًا، مع ضمان توفير التمويل اللازم لمشاريع الترميم والتعويض. من أبرز الأدوار التي يجب أن تضطلع بها الحكومة:
• إعداد خطط إستراتيجية لإعادة التعمير تشمل تحديد أولويات المناطق المتضررة.
• إشراك المجتمعات المحلية لضمان وصول المساعدات إلى المستحقين.
• الرقابة على الأسواق لضمان توفير مواد البناء بأسعار معقولة.
مسؤولية مليشيا الدعم السريع
لا يمكن الحديث عن إعادة التعمير دون الإشارة إلى المسؤول الأول عن هذا الدمار الشامل، وهي مليشيا الدعم السريع، التي قادت أعمال القصف والنهب والحرق الممنهج، واستباحت الممتلكات العامة والخاصة بلا وازع. لقد ارتكبت هذه المليشيا جرائم موثقة ضد المدنيين، أدت إلى تشريد الملايين، وتدمير منازلهم ومقتنياتهم.
من هذا المنطلق، يجب أن تتحمل هذه المليشيا – قانونًا وأخلاقيًا – مسؤولية ما فعلته. وعلى الحكومة السودانية أن تضع في مقدمة خطط جبر الضرر وتعويض المتضررين آلية واضحة لـ مصادرة ممتلكات الدعم السريع، سواء كانت أصولًا ثابتة (مقار، عقارات، شركات) أو منقولة (مركبات، معدات، أرصدة مالية)، بما في ذلك ممتلكات قادتها ورموزهم الاقتصادية.
وينبغي تخصيص هذه الممتلكات المصادرة لصالح صندوق وطني لإعادة التعمير، يُوجه مباشرة لتعويض الأسر المتضررة. إن العدالة تقتضي أن لا يُترك المواطن الفقير وحده يدفع ثمن الحرب، بينما تظل ممتلكات الجناة محصنة أو بعيدة عن المحاسبة.
*خاتمة*
إن إعادة التعمير ليست مجرد ضرورة هندسية، بل هي خطوة جوهرية نحو بناء مستقبل أكثر استقرارًا للسودان. فالتركيز على تأهيل المنازل وتعويض الأسر عن خسائرها يضع المواطن في صلب عملية التعافي، مما يعزز من تماسك المجتمع ويمنحه القدرة على تجاوز أزمات الماضي. إذا تم تنفيذ هذه الجهود بفعالية، فسيشكل ذلك فرصة حقيقية لاستعادة الأمل، وتحقيق طموحات المواطنين في حياة كريمة وآمنة ومستقرة.








