د. عاطف آدم عجيب.. يكتب : بروفيسور أبو القاسم قور حامد.. حين يصبح العلم رسالةً والسلام إرثاً

بروفيسور أبو القاسم قور حامد.. حين يصبح العلم رسالةً والسلام إرثاً
د. عاطف آدم عجيب.. يكتب : بروفيسور أبو القاسم قور حامد.. حين يصبح العلم رسالةً والسلام إرثاً
في الذكرى الأولى لرحيل الاستاذ الدكتور أبو القاسم قور حامد
في الذكرى الأولى لرحيل العالم والمفكر والأستاذ والمربي، البروفيسور الدكتور أبو القاسم قور حامد، نقف اليوم وقفة وفاء لا لنرثي رجلاً غاب، وإنما لنستحضر علماً بقي، وفكراً امتد، ورسالةً لم تنطفئ.
نقف أمام عامٍ مضى على رحيل الجسد، لكن عاماً واحداً لم يكن كافياً لغياب الأثر، فما تركه أبو القاسم فينا أكبر من أن يطويه الزمن، وأعمق من أن تختصره الكلمات، وأبقى من أن تحدّه السنوات.
رحم الله أستاذنا ومؤسسنا ورائدنا، فقد كان من أولئك الذين لا يُقاس عمرهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بعدد الأرواح التي أناروها، والعقول التي حرّكوها، والطرق التي فتحوها لمن جاء بعدهم.
لقد كان البروفيسور قور واحداً من أبرز الأصوات السودانية والأفريقية في مجالات حقوق الإنسان، والسلم والعدالة، ودراسات النزاعات، وثقافة السلام، جمع في شخصيته بين الأستاذ والمفكر والباحث والناقد والمسرحي والكاتب والممارس، فكان علماً في الجامعة، وصوتاً في المجتمع، ورسولاً لفكرة السلام أينما حلّ وارتحل.
ولم يكن السلام عنده كلمةً تُقال في المؤتمرات، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات، بل كان مشروع حياة، ومنهج تفكير، وممارسة اجتماعية، وضرورةً لبقاء الإنسان وكرامته.
ومن هنا تأتي مكانته الخاصة في تاريخ معهد دراسات وثقافة السلام بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، فقد كان الراحل الكبير من الآباء المؤسسين لهذه المسيرة، بل كان صاحب الدور المحوري في الانتقال بالفكرة من مشروع ثقافة السلام إلى مركز دراسات وثقافة السلام، ثم إلى ما أصبح اليوم معهد دراسات وثقافة السلام.
لقد بدأ الحلم فكرة، وصار الفكرة مشروعاً، وصار المشروع مركزاً، وصار المركز مؤسسةً أكاديميةً تحمل رسالةً وطنيةً وإنسانيةً ممتدة.
وهنا تكمن عظمة أبي القاسم: أنه لم يكتفِ بأن يكتب عن السلام، بل أسّس له بيتاً، ولم يكتفِ بأن يدرّس ثقافة السلام، بل أسهم في بناء مؤسسة تحملها، ولم يكتفِ بأن يتحدث عن المستقبل، بل ترك لنا مؤسسةً تستطيع أن تصنعه.
فمنذ سنوات التأسيس الأولى، اضطلع بمسؤوليات متعددة، مؤسساً ومنسقاً لمشروع ثقافة السلام، ثم رئيساً لوحدة الدراسات والبحوث، ومديراً لمركز دراسات وثقافة السلام، ورئيساً لمجلس أبحاثه، وأسهم في إعداد مناهج الدراسات العليا وبناء برامجها الأكاديمية.
وبذلك لم يكن أبو القاسم جزءاً من تاريخ المؤسسة فحسب، بل كان أحد الذين صنعوا هذا التاريخ.
لقد حمل قلمه كما يحمل الإنسان مشعل النور، فكتب في السلام، والنزاعات، والعدالة، وحقوق الإنسان، وأبيي، وثقافة السلام، كما كتب في النقد والدراما والفلسفة والتراث.
وكانت مؤلفاته وأبحاثه امتداداً لعقلٍ لا يعرف السكون، وقلبٍ لا يعرف اليأس.
فمن كتبه في دراسات السلم والنزاعات، وكتاباته حول ثقافة السلام، وأبحاثه في أبيي ومستقبل السلم والنزاع، ومقارباته للعدالة الانتقالية، والنظم المعرفية المحلية، وتحولات النزاعات، إلى كتاباته في الدراما والنقد والفلسفة، كان ينسج خيوطاً متعددة حول سؤال واحد كبير، كيف يستطيع الإنسان أن يصنع السلام في عالمٍ تمزقه الحرب؟ وكيف يمكن للمعرفة والثقافة والفن والعدالة أن تتحول من أدوات للفهم إلى أدوات للتغيير؟
وكان يؤمن بأن الإجابة لا تأتي من قاعة الدرس وحدها، ولا من مكاتب الخبراء وحدها، وإنما من المجتمع، ومن ذاكرته، ومن ثقافته، ومن حكمته المحلية، ومن قدرته على استعادة إنسانيته.
ولهذا انفتح مشروعه الفكري على السودان وأفريقيا، وعلى المعرفة المحلية، وعلى التجارب التقليدية في فض النزاعات ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وعلى قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية، وعلى حقوق الإنسان والكرامة الأفريقية.
وقد حمل رسالته إلى فضاءات إقليمية ودولية واسعة، فكان مستشاراً أكاديمياً للبرنامج الأفريقي لجامعة الأمم المتحدة للسلام، وشارك في التدريس والإشراف الأكاديمي في مؤسسات وجامعات داخل السودان وخارجه، وشارك في المؤتمرات والمنتديات والبرامج الدولية المعنية بالسلام وحقوق الإنسان والدراما والتعليم.
فكان السودان في قلب مشروعه، وكانت أفريقيا في أفقه، وكان الإنسان في مركز اهتمامه.
إن الحديث عن قور لا يكتمل من دون الحديث عن الأستاذ.
فكم من طالبٍ جلس أمامه فخرج من محاضرته بفكرة جديدة، وكم من باحثٍ وجد في إشرافه طريقاً، وكم من شابٍ اكتشف في كلماته معنىً جديداً للمعرفة، وكم من زميلٍ وجد فيه سنداً ومعلماً وصديقاً.
لقد كان أستاذاً لا يكتفي بأن يمنحك المعلومة، بل يدفعك إلى السؤال، لا يلقنك الإجابة، بل يعلّمك كيف تبحث عنها، ولا يصنع تابعين، بل يصنع عقولاً قادرة على التفكير والنقد والاختلاف والحوار.
ومن هنا، فإن إرثه الحقيقي ليس فقط ما تركه من كتب وأبحاث، وإنما أيضاً الأجيال التي علّمها، والباحثون الذين أشرف عليهم، والمؤسسات التي أسهم في تأسيسها، والقيم التي غرسها في طلابه وزملائه.
كان يؤمن بأن الجامعة ليست جدراناً ومقاعد، وإنما مشروع لبناء الإنسان، وأن الأستاذ ليس ناقلاً للمعرفة فقط، وإنما مسؤول عن صناعة الوعي.
في الذكرى الأولى لرحيله، ربما نشعر بفقده أكثر مما شعرنا به في يوم الرحيل.
ففي يوم الرحيل كان الألم صدمة، أما اليوم فقد أصبح الغياب حقيقةً يومية.
نفتقد صوته في قاعات الدرس، نفتقد حضوره في الاجتماعات، نفتقد أسئلته ومداخلاته، نفتقد ذلك العقل الذي كان يفتح أمامنا نوافذ جديدة للتفكير.
لكن عزاءنا أن الرجال الكبار لا يغادرون تماماً، يغادرون بأجسادهم، ويبقون بأفكارهم، ومواقفهم، وتلاميذهم، ومؤسساتهم، وأثرهم في الناس.
غاب الرجل، ولم تغب الرسالة.
رحل المؤسس، ولم يرحل المشروع.
سكت الصوت، ولم تصمت الفكرة.
غاب الجسد، وبقي الأثر.
وهذا المعهد هو أحد الشواهد الحية على ذلك الأثر.
فكلما دخل باحثٌ إلى هذا المعهد، وكلما وقف أستاذٌ في قاعةٍ يدرّس السلام، وكلما ناقش طالبٌ رسالةً في فض النزاعات، وكلما خرجت فكرةٌ تدعو إلى الحوار والتسامح والعدالة، فإن شيئاً من روح أبي القاسم سيكون حاضراً بيننا.
فالمؤسسات التي تُبنى بالفكرة لا تموت برحيل أصحابها، والأفكار التي تُزرع في العقول لا تُدفن مع أصحابها.
لقد زرع أبو القاسم قور شجرةً، ونحن اليوم مطالبون بأن نسقيها، أسس بيتاً للسلام، ونحن مطالبون بأن نحفظه، فتح طريقاً للعلم، ونحن مطالبون بأن نواصل السير فيه، وحمل رايةً للكرامة والعدالة، ونحن مطالبون ألا نسقطها.
وفي هذه الذكرى، فإن الوفاء الحقيقي له ليس في البكاء عليه وحده، وإنما في حماية مشروعه، وتطوير مؤسسته، ومواصلة رسالته، وإبقاء السلام قضيةً للعلم والعمل والممارسة.
إن أعظم ما يمكن أن نهديه إلى روحه اليوم أن نقول:
سنواصل الطريق الذي بدأتَه،
ونحفظ البيت الذي أسستَه،
ونرعى العلم الذي نشرتَه،
ونرفع راية السلام التي حملتَها،
ونعلّم الأجيال أن السلام ليس ضعفاً، وأن العدالة ليست رفاهية، وأن الكرامة ليست منحةً، وأن الإنسان هو غاية كل مشروع للسلام.
أيها الفقيد الحاضر فينا،
يا من جعلت من العلم رسالة،
ومن الثقافة جسراً،
ومن المسرح مساحةً للحوار،
ومن حقوق الإنسان قضية،
ومن السلام مشروعاً،
ومن الجامعة بيتاً للفكر،
ومن الاختلاف فرصةً للتعارف لا سبباً للاقتتال.
نم قرير العين، فإن بذرتك لم تمت، وإن غرسك لم ييبس، وإن الطريق الذي شققتَه ما زال ممتداً.
سيظل اسمك في ذاكرة معهد دراسات وثقافة السلام، لا بوصفك اسماً في سجل المؤسسين فحسب، بل بوصفك روحاً مؤسسةً، وفكرةً حاضرةً، وذاكرةً لا تنطفئ.
وسيبقى صوتك يقول لنا، وإن غاب صوتك:
أن السلام يُعلَّم،
والسلام يُمارس،
والسلام يُبنى،
والسلام مسؤولية،
وأن الإنسان حين يفقد السلام يفقد جزءاً من إنسانيته.
وفي الذكرى الأولى لرحيلك نقول:
سلامٌ عليك يوم ولدت في التبون،
وسلامٌ عليك يوم حملت العلم والفكر،
وسلامٌ عليك يوم جعلت من المعرفة جسراً للسلام،
وسلامٌ عليك يوم أسهمت في تأسيس مشروع ثقافة السلام،
وسلامٌ عليك يوم صار المشروع مركزاً، وصار المركز معهداً،
وسلامٌ عليك يوم رحلت عن دنيانا،
وسلامٌ عليك يوم تبقى سيرتك في ذاكرة طلابك وزملائك ومؤسستك ووطنك.
اللهم ارحم البروفيسور الدكتور أبو القاسم قور حامد رحمةً واسعة، واغفر له، وأنزل على قبره نوراً وسكينة، واجزه عن علمه وطلابه ومؤسساته ورسالة السلام خير الجزاء.
اللهم اجعل علمه صدقةً جارية، وفكره أثراً باقياً، ورسالة السلام التي حملها نوراً يمتد من جيل إلى جيل.
اللهم إنّا نشهد أنه عاش للعلم، وخدم المعرفة، ونصر السلام، ودافع عن الإنسان والكرامة والعدالة، فاجزه عنا وعن طلابه وعن وطنه خير ما تجزي به عبداً من عبادك الصالحين.
وفي الختام نقول:
رحم الله أبا القاسم قور حامد،
المعلم حين نحتاج إلى المعلم،
والمفكر حين نحتاج إلى الفكر،
والناقد حين نحتاج إلى النقد،
والأكاديمي حين نحتاج إلى المعرفة،
والإنسان حين نحتاج إلى الإنسان.
رحل أبو القاسم… وبقي القاسم المشترك بيننا:
العلم، والسلام، والكرامة، والإنسان.
رحم الله مؤسس مشروع ثقافة السلام،
ورائد دراسات السلم والنزاعات،
وأستاذ الأجيال،
وصاحب الأثر الذي لا يغيب.
إنا لله وإنا إليه راجعون.







